spot_img

    ذات صلة

    ‏مع إغلاق ملف باول.. هل يقترب وارش من قيادة الفيدرالي؟

    في لحظة بدت فيها معركة قيادة الاحتياطي الفيدرالي عالقة دون أي أفق، جاء قرار وزارة العدل الأمريكية بإلغاء تحقيق مع رئيس البنك "جيروم باول"...

    ‏شقيقات المويراي .. القوة الأكثر نفوذاً في العالم

    تروي الميثولوجيا الإغريقية، أن ثلاث شقيقات يُعرفن بـ “المويراي” -كلوثو ولاخيسيس وأتروبوس- يقبعن في الظلال ويتحكمن في مصائر البشر، حيث الأولى تغزل خيط الحياة، والثانية تحدد طوله، وتتولى الثالثة قطعه في اللحظة الحاسمة، بلا تردد أو استئذان.

    لم يكن لأحد سلطان عليهن، إذ كان مصير الجميع يمر عبر أيديهن في صمت، والآن بعد آلاف السنين على هذه الخرافة، لم تعد تلك الشقيقات مجرد أسطورة.

    ففي قلب النظام المالي العالمي، برزت ثلاث مؤسسات عملاقة تُدير تريليونات الدولارات، وتمتد خيوط نفوذها إلى أكبر الشركات والاقتصادات حول العالم.

    وكما في الأسطورة الإغريقية، لا تُمارس هذه القوى سلطتها بصخب، لكنها تُعيد تشكيل مسار الأسواق بهدوء لافت.

    من هن شقيقات العصر الحديث؟

    – تدير شركات “بلاك روك” و”فانجارد” و”ستيت ستريت” الأمريكية أصولًا تُقارب 32 تريليون دولار، ما يُضاهي تقريبًا حجم اقتصاد الولايات المتحدة أو العديد من الدول الأخرى مجتمعة.

    – تأسست “بلاك روك” عام 1988، وهي أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، ويشمل نموذج أعمالها الإدارة النشطة وصناديق المؤشرات السلبية، وتُشكل صناديق “iShares” المتداولة في البورصة الجزء الأكبر من أصولها المُدارة.

    – أما “فانجارد”، فهي رائدة في المؤشرات منخفضة التكلفة وفقًا لفلسفة مؤسسها “جاك بوغل”، وتركز على صناديق المؤشرات السلبية أو صناديق الأسهم المتداولة في البورصة.

    – بالنسبة لـ “ستيت ستريت جلوبال أدفايزرز”، وهي ذراع إدارة الأصول لشركة “ستيت ستريت”، فهي رائدة في مجال الاستثمار السلبي، حيث ابتكرت الصندوق المتداول “SPDR SP 500” (SPY)، وكانت من أوائل مبتكري صناديق الأسهم المتداولة في العالم.

    – أنهت “بلاك روك” وحدها عام 2025 بأصول مُدارة تتجاوز 14 تريليون دولار، فيما تقدر أصول “فانجارد” بنحو 12 تريليون، بالإضافة إلى 5.7 تريليون دولار تديرها “ستيت ستريت”.

    – تمتلك الثلاث -فضلًا عن نفوذها المالي الهائل- حصة في جميع الشركات العامة الكبرى تقريبًا، وتشتهر بأنها نادرًا ما تبيع أسهمها وتتمسك بها دائمًا، مما يمنحها قوة تصويت مستدامة.

    – بالنسبة للأسهم، تعادل قيمة أصولها حجم أسواق رئيسية عدة مجتمعة مثل الصين (14 تريليون دولار) واليابان (8 تريليونات دولار) وهونج كونج (7 تريليونات دولار) والتي تبلغ قيمتها معًا نحو 29 تريليون دولار، كما أن هذه الأصول تشكل معًا أقل قليلًا من نصف حجم السوق الأمريكية البالغة 73.6 تريليون دولار.

    مواطن النفوذ

    – إن هذا الحجم الهائل من الأصول يعني أن الشقيقات الثلاث يهيمن على جزء كبير من ملكية الأسهم والائتمان في جميع أنحاء العالم، وغالبًا ما تكون أكبر المساهمين في أكبر الشركات الأمريكية، وبالتالي فهي صاحبة أكبر نفوذ على قرارات هذه الشركات، وبالتبعية على الاقتصاد والتجارة والابتكار، وأحيانًا السياسة.

    حصص مديري الأصول في أكبر الشركات الأمريكية

    الشركة

    بلاك روك (%)

    فانجارد (%)

    ستيت ستريت (%)

    آبل

    7.83

    9.72

    4.11

    مايكروسوفت

    8.09

    9.67

    4.12

    إنفيديا

    7.98

    9.33

    4.08

    أمازون

    6.82

    7.86

    3.61

    ميتا

    6.77

    7.91

    3.59

    ألفابت

    6.63

    7.85

    3.43

    – تكشف هذه الأرقام عن ديناميكيتين مهمتين: أولاهما “الحصص الكبيرة المتداخلة”، حيث تمتلك كل شركة من الشركات الرئيسية لإدارة الأصول حصصًا كبيرة في جميع الشركات الكبرى تقريبًا.

    – ثانيًا “الملكية المشتركة”: نظرًا لأن مديري الأصول الثلاثة يشترون الأسهم نفسها، فإن حيازاتهم مترابطة، وقد يمتلكون مجتمعين ما بين 20-25% من الأسهم المتداولة، مما يمنحهم نفوذًا تصويتيًا كبيرًا، رغم أنهم يميلون إلى النشاط السلبي.

    – يشير تحليل لجامعة هارفارد إلى أن الشركات الثلاث الكبرى تمتلك في المتوسط ​​حوالي 22% من أسهم الشركات المدرجة بمؤشر “إس آند بي 500″، وتستحوذ على نحو 25% من الأصوات.

    – مع ذلك، فإنها نادرًا ما تثير الجدل، فبدلًا من السعي للاستحواذ أو التغيير الجذري، تركز الشقيقات نفوذها التصويتي على الحوكمة التدريجية أو أولويات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، لذلك توصف بأنها “أصبحت القوة الأكثر نفوذًا في عالم الشركات لكن بهدوء”.

    كيف أصبحت بهذا النفوذ؟

    – ساهمت عدة عوامل رئيسية في صعود الشركات الثلاث الكبرى، مثل “الانتشار الواسع للاستثمار السلبي”، فمنذ مطلع الألفية الثانية تسارع هذا الاتجاه (خاصة بعد عام 2008)، حيث اتجه المستثمرون إلى صناديق المؤشرات والصناديق المتداولة بدلاً من الصناديق النشطة ذات الرسوم المرتفعة.

    – كانت “بلاك روك” (عبر صناديق “iShares“) و”فانجارد” و”ستيت ستريت” من أوائل الشركات الرائدة في هذا التحول، وبالتالي استحوذت على الحصة الأكبر من تدفقات الاستثمار السلبي.

    – الحجم الهائل مكنها من فرض رسوم منخفضة للغاية (تنافست بشدة فيما بينها لفرض أقل تكلفة)، مما جذب بدوره المزيد من المستثمرين، كما زادت صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية، والأوقاف، بشكل مطرد من تخصيصاتها لصناديق المؤشرات منخفضة التكلفة، سعيًا وراء عوائد متنوعة يمكن التنبؤ بها.

    – أيضًا، دفعت الأزمة المالية لعام 2008 والتغييرات التنظيمية اللاحقة (مثل القواعد المرتبطة بالمخاطر) الأصول نحو الأدوات السلبية التي تُعتبر أكثر أمانًا وسيولة، وأدت سنوات من التيسير الكمي إلى ارتفاع أسعار الأصول وشجعت على المخاطرة.

    – باختصار، ساهمت ظروف السوق المواتية، إلى جانب طلب المستثمرين على استراتيجيات بسيطة ومنخفضة التكلفة، في دفع نمو الشركات الثلاث الكبرى، وبفضل صعود صناديق المؤشرات أصبحت هذه الشركات “تمتلك أسهمًا في كل شركة كبرى تقريبًا“، وهو مستوى من الانتشار لم يكن من الممكن تصوره قبل عقدين من الزمن.

    ماذا يعني هذا النفوذ؟

    – تُترجم ملكية الشركات الثلاث الكبرى إلى نفوذ حقيقي يبدأ بـ “النفوذ التصويتي“، فعادةً ما تسيطر معًا على حوالي ربع أصوات المساهمين في الجمعية العمومية السنوية للشركات المساهمة العامة الكبيرة.

    – هذا يجعلها مؤثرة في انتخابات مجالس الإدارة والمقترحات الرئيسية، وتدرك الشركات والمديرون التنفيذيون ذلك، حيث يجب على عضو مجلس الإدارة الحفاظ على دعم إحداها لتجنب المشاكل، وتشير الأبحاث بالفعل إلى أن الإدارات “تُواءم خطط العمل مع تفضيلاتها” حتى قبل التصويت.

    – تُمارس الشقيقات الثلاث الكبرى ضغوطًا متكررة على الشركات فيما يتعلق بالحوكمة والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، حيث تتواصل فرق الإشراف التابعة لها مع آلاف الشركات حول العالم سنويًا للضغط من أجل حوكمة أفضل.

    – كان لشركة “بلاك روك” دور محوري في صياغة الأمر التنفيذي الصادر عام 2021 من الرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن” بشأن إفصاحات الشركات المتعلقة بالمناخ.

    – يمتد نفوذ الشركات الثلاث الكبرى إلى ما هو أبعد من الشركات بفضل حيازاتها الضخمة من السندات الحكومية وأدوارها في دوائر صنع السياسات، حيث تدير الشقيقات محافظ ضخمة من الديون السيادية.

    – على سبيل المثال، تعني صناديق المؤشرات التي تتبع أسواق الديون السيادية أن “بلاك روك” و”فانجارد” و”ستيت ستريت” تدير مجتمعةً حصة كبيرة من سندات الخزانة وسندات الوكالات الحكومية الأمريكية.

    – هذا يمنحها نفوذًا في التمويل الحكومي، ورغم أن أي صانع سياسات لا يتلقى توجيهات مباشرة منها، إلا أن المحللين يعتقدون أن بإمكانها التأثير بشكل غير مباشر على شروط الاقتراض العام على المدى الطويل.

    – إلى جانب ذلك تلعب الشركات الثلاث أدوارًا استشارية للبنوك المركزية، فمثلًا، في مارس 2020، عيّـن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك شركة “بلاك روك” مديرًا للاستثمار في برنامج شراء سندات الشركات الطارئ.

    هل تشكل تهديدًا؟

    – يحذر المنظمون والأكاديميون من أن هيمنة الشركات الثلاث الكبرى تُثير مخاوف هيكلية تُشبه البنوك التي توصف بأنها “أكبر من أن تُترك للإفلاس”. وأشار صندوق النقد الدولي والهيئات المالية التابعة لمجموعة العشرين إلى أن التركيز الكبير لإدارة الأصول يشكل خطرًا.

    – إذا تعرّض أحد الصناديق السلبية لصدمة سيولة، فقد تُؤدي مراكزه الكبيرة إلى عمليات بيع سريعة تُؤثر على الأسواق (نظرًا لأن صناديق أخرى تمتلك الأصول نفسها).

    – تحاول الشركات الثلاث الكبرى إدارة مخاطر الاسترداد، وغالبًا ما “تتجنب بيع” مراكزها في الظروف العادية، لكن النقاد يشيرون إلى أن حجمها الهائل قد يُفاقم التقلبات في ظل الضغوط.

    – مع ذلك، يرى خبراء أن هذا التأثير نظامي، وليس تآمريًا، وأن الشركات الثلاث الكبرى “لا تتصرف بالتواطؤ أو تسعى لتحقيق أجندات خفية، بل تمتلك ببساطة نفوذًا هائلًا غير مباشر”.

    – على أي حال، يشير الواقع إلى أنه كما كانت “المويراي” تمسك بخيوط المصير دون ضجيج، تقف “الشقيقات الثلاث” في الأسواق الحديثة على مسافة مماثلة: لا تفرض القرارات، لكنها ترسم المسار الذي تسير فيه بهدوء.

    المصادر: أرقام- بلاك روك- فانجارد- ستيت ستريت- إنفستنج- تحليل لجامعة هارفارد بعنوان “Big Three Power, and Why it Matters“- سيبليس ريسيرش- آي آر إيمبكت- الجريدة الرسمية للحكومة الأمريكية- الفيدرالي في نيويورك- صندوق النقد الدولي- معهد المحللين الماليين المعتمدين (CFA).

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img