تلقي الحرب الدائرة بظلالها على قطاع الطيران العالمي، إذ تتشابك تداعياتها بين ارتفاع حاد في أسعار التذاكر، وتعليق رحلات على مسارات حيوية، وما هو أخطر من ذلك: شبح نقص وقود الطائرات الذي يُهدد بشلل غير مسبوق لحركة الطيران، إذ تقف شركات الطيران الأوروبية والآسيوية في مواجهة الأزمة الأشد، فيما لا تبدو بقية دول العالم بمنأى عن تداعياتها.

منتج نفطي مكرر
وقود الطائرات منتج نفطي مكرر تشتريه شركات الطيران من مصافي التكرير وشركات الوقود، وينتقل عبر السفن وخطوط الأنابيب ليخزن في المطارات، وعلى غرار البنزين بالنسبة للسائقين، فإن نقص الإمدادات لا يعني بالضرورة توقف الرحلات فورًا، لكنه يجعلها باهظة التكلفة خاصة بالنسبة للمسافرين الأكثر حساسية للأسعار.
هشاشة كامنة
كشفت الأزمة عن هشاشة بنية الطاقة الأوروبية، إذ أدى إغلاق عشرات المصافي خلال العقدين الماضيين إلى تراجع الإنتاج المحلي، ورفع اعتماد القارة على الكيروسين المستورد من الشرق الأوسط، وقد جاءت الحرب لتقطع هذا الشريان، فانخفضت معظم واردات أوروبا من وقود الطائرات.
كلمة السر: هرمز
يمثل مضيق هرمز شريان الحياة لقطاع الطيران الأوروبي، حيث يمر عبره نحو 40% من إجمالي واردات القارة من وقود الطائرات، ومع تعطل حركة الملاحة، أصبحت الشحنات البديلة غير كافية لتعويض العجز، مما يضع شركات الطيران في مواجهة حتمية مع احتمال نفاد المخزون الاستراتيجي الذي حذرت وكالة الطاقة الدولية من أنه قد لا يكفي لأكثر من ستة أسابيع.
سلسلة مترابطة
يتم تكرير جزء كبير من وقود الطائرات عالميًا في آسيا، وتتصدر كوريا الجنوبية قائمة المصدرين له، لكن النفط الخام المغذي لمصافي القارة يأتي من الشرق الأوسط، مما اضطر الدول الآسيوية مؤخرًا إلى تقييد صادراتها من وقود الطائرات، ما يعزز الضغط على الأسعار وميزانيات تشغيل شركات الطيران.

تكاليف التشغيل
يمثل الوقود ثاني أكبر بنود التكلفة بالنسبة لشركات الطيران بعد الأجور، أو حوالي ربع إجمالي نفقات التشغيل، ولتوضيح حجم الأزمة، تستهلك الطائرة ذات الممر الواحد نحو 800 جالون من الوقود في الساعة الواحدة، وتكفي الإشارة إلى أن أكبر أربع شركات طيران أمريكية أنفقت مجتمعة قرابة 100 مليون دولار يومياً في المتوسط على الوقود في العام الماضي.
قفزة سعرية تدعو للحذر
وفقاً لمؤشر “أرجوس” الأمريكي، سجلت أسعار الوقود ارتفاعاً قياسياً بنسبة 70% منذ بدء الحرب أواخر فبراير، ليصل سعر الجالون إلى 4.24 دولار في وقت سابق خلال أبريل، هذا التسارع السعري دفع وكالة “فيتش” إلى إطلاق صافرات الإنذار بشأن الشركات التي تفتقر للملاءة المالية الكافية لاستيعاب هذه الضغوط، مؤكدة أن التعثر المالي قد يكون المصير المحتوم لبعضها.
من يتحمل التكلفة؟
أمام هذا الواقع، لجأت شركات الطيران إلى تكتيكات دفاعية لتحميل المستهلكين جزءاً من العبء المالي، ونظراً لصعوبة تعديل أسعار التذاكر المبيعة مسبقاً، لجأ بعضها إلى رفع رسوم الخدمات الإضافية، مثل الأمتعة واختيار المقاعد.
تداعيات متفاوتة
تتفاوت حدة الأزمة بين شركات الطيران، فبينما تتوقع “دلتا” و”يونايتد إير لاينز” إنفاق مليارات إضافية على الوقود، تواجه شركات مثل “سبيريت إيرلاينز” خطر التصفية النهائية بعد إفلاسين متتاليين، وفي أوروبا، بدأت “رايان إير” و”إس إيه إس” بالفعل في دراسة أو تنفيذ قرارات بإلغاء آلاف الرحلات في ظل نقص الإمدادات.

وهم النجاة
رغم أن الولايات المتحدة تعد منتجاً رئيسياً للنفط ومصدراً للوقود، فإنها ليست بمعزل عن تداعيات الأزمة ويؤكد خبراء الطاقة أنها ليست في مأمن تام، لأن النقص في الأسواق الدولية يدفع الأسعار المحلية للارتفاع حتماً، مما سيجبر الشركات المحلية على تقليص رحلاتها الأقل ربحية، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى اشتعال أسعار التذاكر داخل السوق الأمريكية نفسها خلال ذروة الصيف.
ليست مشكلة قصيرة المدى
يرى خبراء على رأسهم “فاتح بيرول” مدير وكالة الطاقة أن الأزمة ليست عابرة، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام، قد يحتاج القطاع إلى عامين للعودة لمستويات ما قبل الحرب، لأن استئناف الإمدادات من النفط وعمليات التكرير قد تستغرق وقتاً طويلاً، مما يعني أن مصير موسم السفر الصيفي قد حسم، لأن شركات الطيران تخطط مساراتها وتحدد أسعار تذاكرها لأشهر قادمة.
يشهد قطاع الطيران العالمي حالة من الاضطراب، وبينما تحاول الشركات احتواء الأزمة عبر رفع الرسوم وتقليص الرحلات، يظل المسافر هو الطرف الأكثر تأثراً بارتفاع التكاليف وقلة الخيارات، أما تجاوز الأزمة، فلا يرتبط فقط بتهدئة الجبهات العسكرية، بل بإعادة صياغة استراتيجية لأمن إمدادات الوقود وتنويع مصادر الطاقة عالميًا.
المصادر: أرقام – اتحاد النقل الجوي الدولي “إياتا” – أسوشيتيد برس – المجلس الدولي للمطارات في أوروبا (إيه سي آي إي) – فوربس – أفيشين وويك – إس أند بي جلوبال – سي إن إن – واشنطن بوست – أويل برايس



