spot_img

    ذات صلة

    ‏الطاقة والمياه والثقة: ثلاثية تحدد مصير مراكز البيانات

    في الوقت الذي تتسارع فيه خطى الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، وتتحول فيه مراكز البيانات إلى القلب النابض للاقتصاد الرقمي العالمي، يبرز سؤال أقل...

    ‏مؤشرُ المِسك: كيف تُخرج استثماراتك من عباءة القطيع؟

    في روائع الأدب العربي، يظل بيت أبي الطيب المتنبي، الذي مدح به سيف الدولة الحمداني:

    فَإِنْ تَفُقِ الأَنامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ.. فَإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ،

    دستورًا لكل من يطمح للتميز في بيئة تنافسية، أو الوصول لفلسفة “الاستثناء“.

    فيمكن للمادة الواحدة أن تنتمي إلى أصل عام (دم الغزال)، لكنها بالتحول النوعي تصبح جوهرًا أثمن وأطيب (المسك).

    والشاهد أن هذه الفلسفة تجد صداها الأكبر اليوم في أسواق الأسهم العالمية لعام 2026؛ فبينما يغرق “الأنام” من المتداولين في عشوائية التداول و”الركض” خلف التحولات، يبرز مستثمرون آخرون (فرديون) تمكنوا من تحقيق نجاحات لافتة.

    لماذا ينجح “المسك” ويفشل الآخرون؟

    تكمن معضلة المتداول الصغير أو غير النظامي في ميله الفطري إلى “سلوك القطيع”. وعلى الرغم من أن هذا يُعد من أول التحذيرات التي يتلقاها أي مستثمر، ومن أقدمها، فإن أغلبية المتداولين ما زالوا يعانون من هذا الأمر.

    وكشفت دراسة حديثة لشركة “جي.بي. مورغان جلوبال ريسيرش”، في مطلع عام 2026، أن 70-80% من المستثمرين الأفراد لا يزالون يقعون في فخ شراء القمم والبيع عند القيعان بدافع الخوف.

    إلا أن “المستثمر المسك” هو من يدرك أن التفوق لا يتطلب حجم سيولة مؤسسية، بل يتطلب “ميزة المرونة”. فالصناديق السيادية الضخمة مكبلة بقيود تنظيمية وبطء في الحركة، بينما يتحرك المستثمر الفرد المتفوق بحرية نسبية أكبر.

    قصص نجاح مختلفة

    وفي هذا الإطار، تبرز عدة قصص نجاح حديثة في السوق، منها مستثمر بريطاني يُدعى “ديفيد إل”، حقق عائدًا مذهلًا بلغ 142%. لم ينسق ديفيد خلف أسهم “إنفيديا” التي بلغت أسعارها مستويات متضخمة، بل ذهب إلى “العمق”؛ فاستثمر في شركات تبريد مراكز البيانات وشركات الطاقة النووية المصغرة.

    وهذا، في أدبيات الاستثمار، يُعرف بـ”استثمار المعاول والمجارف”، وهو التعبير الذي راج إبان فورة البحث عن الذهب؛ إذ اتضح أن من وفّروا المعدات اللازمة للبحث عنه (المعاول) حققوا أرباحًا أكبر، في المتوسط، ممن بحثوا عن الذهب نفسه.

    لذا، فبينما كان كثيرون يشترون أسهم شركات الذكاء الاصطناعي (البرمجيات)، تفرغ ديفيد لدراسة “البنية التحتية الصلبة” التي لا يمكن لهذه التقنيات العمل من دونها.

    وتوسع ديفيد في الاستثمار بشركات التبريد السائل، بعدما أدركت مراكز البيانات في عام 2025 أن التبريد التقليدي بالمراوح لم يعد كافيًا لمعالجات الجيل الجديد التي تستهلك طاقة هائلة.

    وما عزز مكاسبه بنسبة 142% هو رهانه المبكر على مفاعلات الطاقة النووية المصغرة، التي بدأت شركات مثل “مايكروسوفت” و”جوجل” في التعاقد عليها فعليًا لتأمين طاقة مستقلة لمراكز بياناتها بعيدًا عن ضغط الشبكات القومية؛ مما جعل أسهم تلك الشركات ترتفع بنسب كبيرة للغاية في نهاية 2025 وبداية 2026.

    لذا يمكن القول إنه مع ارتفاع مؤشر ناسداك التكنولوجي بنسبة 1% فقط خلال ستة أشهر، من 10 أكتوبر 2025 إلى 10 أبريل 2026، وهي النسبة نفسها تقريبًا التي ارتفعت بها أسهم “إنفيديا” الرائدة لهذا المؤشر، كان “ديفيد” يحقق أرباحًا من العمل “خلف كواليس” المؤشر.

    البحث خارج المألوف

    وفي هذا الإطار، تبرز تجربة مستثمرة سنغافورية تحتفظ بهويتها مجهولة، لكنها وُصفت في أكثر من تقرير بلقب “القناصة الآسيوية”، وذلك لتطبيقها استراتيجية تقوم على التحركات المبكرة في الأسواق التي تقع خارج نطاق اهتمام المستثمرين تقليديًا.

    ففي الوقت الذي كانت فيه السيولة العالمية تتدفق نحو الأسواق الأمريكية، ذهبت هي إلى قطاع التعدين في إندونيسيا، وتحديدًا “النيكل والكوبالت”، وهما العنصران اللذان شهدا طفرة هائلة في العام الأخير بسبب التوسع العالمي في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وأجهزة تخزين الطاقة للمنازل.

    ولم تكتفِ بذلك، بل توسعت في شركات التكنولوجيا المالية (FinTech)في دول مثل نيجيريا وكينيا، مستغلةً فجوة “الشمول المالي”، حيث حققت نموًا بنسبة 210% لأنها استثمرت في منصات تحويل الأموال التي تخدم ملايين الشباب الأفارقة بعيدًا عن تعقيدات البنوك التقليدية.

    والرابط بين ديفيد والمستثمرة السنغافورية هو قدرتهما على قراءة “كواليس الأزمات”؛ فديفيد استغل أزمة الطاقة العالمية ليعيد إحياء الاستثمار النووي، والسنغافورية استغلت فجوة التمويل في الأسواق الناشئة لتصنع ثروة من مناطق أخرى.

    وقد بدأ كثير من الصناديق الاستثمارية الكبرى بالفعل في محاكاة هذه الاستراتيجيات؛ حيث انتقلت السيولة من “قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية” إلى “قطاع الصناعات التحويلية والطاقة”. ولا شك أن دخول المستثمرين مبكرًا على خط الاستثمار في هذه الحالة يمنحهم مكاسب استثنائية.

    ويمكن القول إن هناك ثلاثة عناصر تتيح للمستثمر التميز عن غيره في السوق:

    التدوير النشط: استباق السيولة قبل تدفقها إلى قطاعات لم تصبح “موضة” بعد.

    عدم تماثل المعلومات: القراءة العميقة لما بين سطور البيانات المتاحة للجميع، والتي يتجاهلها “الأنام” لصالح العناوين البراقة.

    التحكيم الإدراكي: تحويل الانفعالات العاطفية للسوق إلى فرص ربحية باردة ومنطقية.

    المِسك الداخلي

    وارتباطًا بذكاء الاختيار، يأتي تتبع تحركات الإدارة كأحد أقوى المؤشرات التي نادرًا ما تخطئ؛ إذ تشير دراسات لـ”مورنينج ستار” إلى أن الشركات التي يقوم مديروها التنفيذيون بشراء أسهمها من أموالهم الخاصة تتفوق في أدائها على مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” بنسبة تتراوح بين 5% و10% سنويًا.

    ويبدو هذا الأمر منطقيًا بطبيعة الحال؛ فعندما يثق “أهل الدار”، الذين يمتلكون رؤية داخلية لا تظهر في التقارير ربع السنوية، في أداء شركاتهم إلى درجة أنهم يضعون أموالهم فيها، فإن هذه إشارة ثقة على أن “رائحة المسك” بدأت تفوح من النتائج المستقبلية أو العقود التي لم تُعلن بعد.

    كما أن للمتداول الفردي فرصة في الانخراط في بعض أشكال الاستثمار المغامر، ولكن المدروس بالطبع، مثل الاستثمار في الشركات الأصغر التي لا تستطيع المؤسسات الكبيرة الشراء فيها؛ نظرًا لأن ضخ استثمارات كبيرة فيها قد يؤثر سريعًا في السعر عند الشراء، فضلًا عن صعوبة البيع لاحقًا.

    كما أن المستثمرين المتفوقين لا يشترون أبدًا ما تضج به منصات التواصل الاجتماعي مثل “إكس” أو “ريديت”. ففي دراسة سلوكية لعام 2026، تبين أن الأصول التي زادت كثافة التغريد عنها بنسبة تتجاوز 300% في أسبوع واحد، غالبًا ما تشهد تصحيحًا سعريًا حادًا بنسبة 12% في الأسبوع التالي.

    لذا فإن “المستثمر المسك” يدرك جيدًا أنه عندما يبدأ الجميع في الحديث عن “موضة” استثمارية ما، يكون “المسك” قد استُخلص بالفعل، وبدأ كبار المستثمرين في التخارج الهادئ لصالح “الأنام” المندفعين خلف الوهم؛ مما يؤكد أن التفوق في السوق ليس مجرد أرقام، بل هو شجاعة في الانفراد بالقرار قبل أن يتحول إلى توجه عام.

    ويمكن القول إن الانتماء إلى فئة “الأنام” (المستثمرين العاديين) هو توصيف لأي مستثمر غير نظامي، أما التحول إلى “مسك” فهو قرار استراتيجي يتطلب شجاعة الانفصال عن الجماعة، وامتلاك “رؤية” لا يعكرها الضجيج.

    لقد أثبت المستثمرون الذين حققوا أرباحًا استثنائية في قطاعات مغمورة أنهم لم يمتلكوا ذكاءً خارقًا، بل امتلكوا “برودًا بشريًا” في التنفيذ بعد دراسة وافية للسوق؛ فكانوا في قلب السوق “من الأنام”، لكنهم في النتائج أصبحوا “مسكًا.

    المصادر:أرقام- “جي.بي. مورغان جلوبال ريسيرش”- مورنينج ستار- سي.إن.بي.سي- فوربس أسيا- فورتشن

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img