أصبح المشهد المالي العالمي في الوقت الحالي أقرب إلى ساحة مفتوحة للتقلبات، حيث يتآكل اليقين تدريجيًا ليجد المستثمرون أنفسهم يبحرون وسط ضباب كثيف من التقلبات الجيوسياسية، والاضطرابات التكنولوجية، بجانب تحولات نقدية أدت لضعف سبل التقييم التقليدية.

وفي “عصر اللايقين”، لم يعد التحدي مجرد البحث عن عوائد فائقة، بل بات يكمن في تحديد الاتجاه الذي تتحرك فيه الأرضية من تحت أقدامنا، وفهم طبيعة التحول نفسه: هل ما نشهده مجرد ضوضاء عابرة أم إعادة تشكيل عميقة للنظام الاقتصادي العالمي؟
ولتشريح هذه البيئة المعقدة، يرى البروفيسور أسواث داموداران، المعروف بلقب “عميد التقييم” في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك في حواره مع “أرقام”أن فهم سلوك المستثمرين اليوم يتطلب التخلي عن فكرة العامل الواحد المفسر لحركة الأسواق.
كما يجب الاعتراف بأن القرار الاستثماري أصبح نتاج تفاعل معقد بين متغيرات متداخلة تتحرك بسرعات مختلفة.
فبينما تظل العوامل التقليدية مثل أسعار الفائدة والتضخم مؤثرة، فإنها لم تعد كافية وحدها لتفسير اتجاهات السوق في ظل تصاعد تأثير الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا.
محركات جديدة لتدفقات رؤوس الأموال
يرى “أسواث داموداران” أن فهم تحركات رؤوس الأموال يتطلب النظر عبر ثلاثة أطر زمنية مختلفة.
ففي المدى القصير، يظل النفط أحد أهم العوامل المؤثرة، فرغم الحديث المتزايد عن التحول نحو الطاقة النظيفة، لا يزال النفط يلعب دورًا محوريًا في تحديد مسار التضخم والسياسات النقدية.
فعلى سبيل المثال، ساهمت صدمات أسعار الطاقة خلال 2022–2023 في دفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا إلى مستويات تجاوزت 8% في بعض الفترات.
تلك المستويات دفعت بنوكًا مركزية مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة إلى نطاق 5.25%–5.50%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين.
هذه السياسة أدت بدورها إلى إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الدولارية، وضغطت على عملات وأسواق ناشئة.
أما على المدى المتوسط، يشير “داموداران” إلى تحوّل أكثر تعقيدًا يتمثل في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، حيث تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن “تفكك العولمة” قد يؤدي إلى خسارة تصل إلى نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي على المدى الطويل.
أما على المدى الطويل، فإن العامل الأكثر تأثيرًا هو التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، فهناك اتجاه متصاعد للاستثمار في هذا القطاع مما أدى إلى إعادة توجيه لرؤوس أموال ضخمة نحو القطاعات المرتبطة بالابتكار.

هذا التدفق انعكس في ارتفاع القيمة السوقية لشركة إنفيديا حيث أضافت الشركة مئات المليارات من الدولارات إلى قيمتها خلال فترة قصيرة، مدفوعة بالطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، فيما عززت مايكروسوفت مكانتها من خلال استثماراتها في هذا المجال.
ويتقاطع هذا التحليل مع رؤية “راي داليو”، مؤسس شركة بريدج ووتر، أكبر صندوق تحوط في العالم، الذي يرى أن العالم يمر بمرحلة انتقالية تشمل تغيّر موازين القوى الاقتصادية.
وأيضًا “محمد العريان” المستشار الاقتصادي الرئيسي في شركة أليانز، الذي حذر مؤخرًا من أننا وصلنا إلى “عتبة حساسة” حيث تحولت الصدمات التي تتعرض لها بنية الطاقة التحتية من أعطال مؤقتة إلى قضايا هيكلية متوسطة الأمد.
كما يؤكد أن حالة “عدم اليقين السياسي” أصبحت عاملًا دائمًا في قرارات المستثمرين.
فائض المعلومات بين الضوضاء والحقيقة
إذا كان المستثمر في الماضي يعاني من نقص المعلومات، فإنه اليوم يواجه التحدي المعاكس تمامًا، فقد أصبح هناك فائض هائل من البيانات، لكن كما يشير “أسواث داموداران”، فإن هذه الوفرة قد تزيد من حالة عدم اليقين بدلًا من تقليلها.
لذا قد تبدو نصيحة “داموداران” مخالفة للتيار السائد بشكل لافت، إذ إنه ينصح المستثمرين بـ”التوقف عن اتباع خبراء السوق على مدار الساعة أو يومًا بيوم”، مقترحًا أن يقوم المستثمرون بمراجعة محافظهم الاستثمارية “مرة واحدة في الأسبوع بدلًا من كل 15 دقيقة”.
ورغم بساطة هذه النصيحة فإنها تحمل عمقًا كبيرًا، إذ تدعو للابتعاد عن المتابعة اللحظية.
هذا الطرح تدعمه دراسات في الاقتصاد السلوكي، حيث تشير أبحاث إلى أن المستثمرين الذين يتعرضون لتدفقات معلومات مستمرة يميلون إلى الإفراط في التداول، ما يقلل من عوائدهم الصافية.
كما أن ردود الفعل على الأخبار قصيرة الأجل كثيرًا ما تكون مبالغًا فيها، قبل أن تعود الأسواق إلى التوازن.
وقد أشار محللون في غولدمان ساكس إلى أن تدفقات المستثمرين الأفراد، التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت قادرة على تحريك أسعار بعض الأصول بشكل ملحوظ، حتى في غياب تغيّر جوهري في الأساسيات.

الأخطر من ذلك، بحسب “داموداران”، هو الاعتماد المفرط على الخبراء، فالتاريخ يظهر أن الإجماع لا يعني بالضرورة الصواب، وهنا يتقاطع مع أفكار المستثمر المخضرم “هوارد ماركس” حول أهمية التفكير المختلف.
كما يتسق بشكل جزئي مع نهج الملياردير الشهير “وارن بافيت” الذي يركز على القيمة طويلة الأجل.
في المحصلة، التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على تجاهل ما لا يضيف قيمة في عصر “التخمة المعلوماتية”، لذا قد يصبح التركيز مهارة ملحة في الوقت الحالي.
سلوك القطيع والملاذات الآمنة
في أوقات الأزمات، لا تتحرك الأسواق فقط وفق البيانات، بل وفق مشاعر المستثمرين، ويعد “سلوك القطيع” أحد أبرز هذه الأنماط.
ووفقًا لـ “أسواث داموداران”، فإن المستثمرين يميلون إلى اتباع الآخرين، خاصة في فترات الغموض، وهو ما يؤدي إلى تضخيم الاتجاهات.
أحد أبرز الأمثلة الحديثة هو قطاع التكنولوجيا، حيث دفعت موجة الحماس للذكاء الاصطناعي المستثمرين إلى ضخ أموال ضخمة في شركات محددة، خوفًا من تفويت الفرصة، هذا السلوك ليس جديدًا؛ فقد تكرر خلال فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.
وتشير تقديرات بنوك استثمارية مثل مورغان ستانلي إلى أن تركز الاستثمارات في عدد محدود من الأسهم الكبرى زاد بشكل ملحوظ، ما يرفع من مخاطر التصحيح في حال تغيّر المزاج العام.
أما فيما يتعلق بالملاذات الآمنة، فيقدم داموداران رؤية مختلفة، إذ يرى أنه لا توجد ملاذات آمنة حقيقية في ظل تقلب أسعار الفائدة، فالسندات تتأثر بارتفاع العوائد، والأسهم عرضة للتقلب، وحتى الذهب لا يوفر حماية مطلقة.
لذلك، يوصي بالاحتفاظ بنسبة أعلى من السيولة، ليس كخيار دفاعي فقط، بل كأداة تمنح المستثمر مرونة للتحرك عند ظهور فرص.

هذا الطرح يختلف جزئيًا مع آراء أخرى، مثل الخبير الاقتصادي “جيريمي جرانثام” الذي يحذر من فقاعات واسعة، أو “كاثي وود” المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة “آرك إنفست” التي تركز على النمو طويل الأجل.
في النهاية، الأسواق ليست عقلانية بالكامل، بل تعكس تفاعلًا مستمرًا بين البيانات والسلوك البشري. وفهم هذا التفاعل هو مفتاح اتخاذ قرارات أفضل.
الدرس الأهم في هذا العصر ليس كيفية التنبؤ بالمستقبل، بل كيفية التعامل مع غيابه، فالمستثمر الذي ينتظر وضوح الصورة قد لا يتحرك أبدًا، بينما من يتقبل الغموض يستطيع اتخاذ قرارات أكثر مرونة.
يأتي هذا في وقت تقدم رؤية “أسواث داموداران” إطارًا واضحًا يعتمد على عدم الثقة بالضجيج، ورفض اتباع القطيع، وعدم البحث عن أمان مطلق، والتركيز بدلًا من ذلك على بناء منهجية تفكير مستقلة، والاستعداد للتكيف.
وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه العوامل، قد لا يكون التفوق في امتلاك معلومات أكثر، بل في القدرة على استخدامها بحكمة، والنجاح الاستثماري لم يعد مسألة معرفة، بل مسألة وعي بعدة جوانب من بينها الوعي بالمخاطر، والسلوك، وحدود القدرة على التنبؤ.
الاقتصاد قد يكون يواجه فترة من عدم اليقين، لكن القرار الاستثماري الناجح لا يزال ممكنًا لمن يعرف كيف يفكر، لا فقط ماذا يشتري.
المصادر: أرقام- تقارير صندوق النقد الدولي- جولدمان ساكس- مورجان ستانلي- بلومبرج- سي إن بي سي- فايننشيال تايمز



