spot_img

    ذات صلة

    ‏سحب عاجل لأغذية أطفال في النمسا بعد شبهات تلاعب خطير بسم الفئران

    أطلقت السلطات الرقابية في النمسا تحذيراً عاجلاً، بعد قيام شركة هيب «HiPP» الرائدة في صناعةأغذية الأطفالبسحب سلسلة من منتجاتها، إثر اكتشاف احتمال وجود مادة...

    ‏ليس الأفضل بل الأسهل: من يربح مستخدم الذكاء الاصطناعي؟

    لم يعد السؤال الأكثر أهمية في عالم الذكاء الاصطناعي: أي نموذج هو الأذكى؟ بل أصبح السؤال: أي منتج يجعل المستخدم ينجز ما يريد دون أن يغادره؟

    في السنوات الأولى لثورة الذكاء الاصطناعي، كان السباق يدور حول القوة الحسابية، وعدد المعايير، والقدرة على التفكير والكتابة والتحليل. لكن مع نضج التكنولوجيا وتوافر نماذج قوية عبر عشرات المنصات، بدأت الحقيقة تتضح: الذكاء وحده لا يكفي للفوز بالسوق.

    المستخدم العادي لا يقرأ تقارير الأداء ولا يقارن بين نتائج الاختبارات التقنية للنماذج. ما يهمه ببساطة هو أن يفتح التطبيق، ينفذ المهمة التي يريدها بسرعة، ثم ينتقل إلى ما بعدها. لذلك تحوّل ميدان المنافسة من المختبرات التقنية إلى تجربة المستخدم اليومية.

    من سباق النماذج إلى سباق التجربة

    لفترة طويلة، اعتمدت شركات التكنولوجيا على معادلة بسيطة: بناء نموذج أكثر ذكاءً يعني حصة سوقية أكبر.

    وكان هذا المنطق صحيحاً عندما كانت قدرات الذكاء الاصطناعي محدودة نسبياً. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة.

    فالنماذج الحديثة باتت قادرة على الكتابة والتخطيط والتحليل بدرجة جيدة تكفي لمعظم الاستخدامات اليومية.

    وأصبحت هذه القدرات متاحة في عدد كبير من المنتجات وبمستويات سعرية مختلفة. نتيجة لذلك، لم يعد الذكاء بحد ذاته هو العامل الفاصل بين الشركات.

    بدلاً من ذلك، أصبح العامل الحاسم هو التجربة الكاملة التي يعيشها المستخدم داخل المنتج: هل يستطيع الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ بسهولة؟ أم أنه سيضطر إلى القفز بين عدة تطبيقات لإكمال المهمة؟

    كل خروج من التطبيق خسارة

    حتى أقوى أدوات الذكاء الاصطناعي قد تخسر المستخدمين إذا اضطروا إلى مغادرة المنتج لإكمال العمل.

    فكر في السيناريوهات الشائعة:

    نسخ النص الذي ولده الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق آخر.

    إعادة إدخال المعلومات في منصة مختلفة.

    فتح تبويب جديد لإنهاء عملية الدفع أو الحجز.

    كل خطوة إضافية تعني فقدان جزء من انتباه المستخدم. العمل الذهني الذي كان من المفترض أن يخففه الذكاء الاصطناعي لا يختفي، بل ينتقل إلى مرحلة لاحقة في تجربة الاستخدام.

    وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين نوعين من المنتجات:

    الأول يقدم نصائح أو مخرجات ذكية، والثاني يقود المستخدم مباشرة إلى الخطوة التالية في التنفيذ. هذا الفارق ليس مجرد تفضيل تصميمي، بل يغير نموذج الاحتفاظ بالمستخدمين بالكامل.

    عندما يكون الذكاء الاصطناعي مدمجاً بعمق داخل المنتج، فإنه يبدأ بتحليل البيانات التي يدخلها المستخدم ويستخدمها لتحسين التفاعل التالي. ومع مرور الوقت تتراكم داخل المنتج معلومات مثل السياق الشخصي، وسجل الاستخدام، والتفضيلات الفردية.

    عند هذه النقطة، يصبح الانتقال إلى منتج آخر مكلفاً للمستخدم، ليس بسبب التكنولوجيا بل لأنه سيخسر تجربة أصبحت مصممة حول عاداته واحتياجاته.

    الوسيط أهم من النموذج

    الشركات التي تتقدم في سباق الذكاء الاصطناعي اليوم ليست بالضرورة تلك التي تطور أكثر النماذج تعقيداً. في كثير من الأحيان، الشركات المتقدمة هي تلك التي تنسج الذكاء الاصطناعي داخل منتجات يستخدمها الناس بالفعل يومياً.

    في عام 2025 وحده، أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من 100 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. لكن بالتوازي مع ذلك، كان هناك اتجاه مختلف يتشكل في أسواق عدة حول العالم.

    فالكثير من التجارب الأكثر إثارة للاهتمام ظهرت خارج الولايات المتحدة، حيث تعمل المنصات المحلية على تكييف الذكاء الاصطناعي مع اللغات المحلية والخدمات اليومية وأنماط الاستخدام في كل مجتمع.

    وغالباً ما يتم ذلك عبر دمج الذكاء الاصطناعي داخل منظومات رقمية يعتمد عليها المستخدمون بالفعل.

    نموذج المنصات الشاملة

    يعد تطبيق “وي تشات” WeChat أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج. فالتطبيق الذي يستخدمه أكثر من 1.2 مليار شخص يومياً لم يعد مجرد منصة للمراسلة. بل تحول إلى منظومة متكاملة تشمل المدفوعات والخدمات والتطبيقات المصغرة.

    داخل هذا النظام، يعمل الذكاء الاصطناعي كنسيج غير مرئي يربط بين مختلف الخدمات: يساعد المستخدمين على البحث عن المعلومات، وتشغيل الخدمات، وإتمام المعاملات، وحتى أتمتة بعض المهام اليومية، دون الحاجة إلى التنقل بين تطبيقات متعددة.

    منصة “جراب” Grab في جنوب شرق آسيا تقدم مثالاً آخر على الفكرة نفسها. فالتطبيق الذي يخدم نحو 47 مليون مستخدم نشط شهرياً يستخدم الذكاء الاصطناعي خلف الكواليس لتوقع الطلب على الرحلات، وتحسين مسارات النقل والخدمات اللوجستية، وإدارة عمليات توصيل الطعام والطرود.

    كما يساعد الذكاء الاصطناعي السائقين والتجار على إدارة أعمالهم بكفاءة أكبر، وكل ذلك يحدث غالباً دون أن يشعر المستخدم بوجوده.

    الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي

    المرحلة التالية من هذا الاتجاه تتمثل في ظهور أنظمة رقمية صُممت منذ البداية حول الذكاء الاصطناعي، بدلاً من إضافته لاحقاً إلى خدمات قائمة.

    أحد الأمثلة المبكرة على ذلك هو منصة “يانديكس إيه آي” Yandex AI في تركيا، التي تقدم نقطة دخول واحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المعلومات وتصفح الإنترنت والتفاعل بطريقة محادثة.

    بدلاً من التنقل بين محرك بحث وروبوت محادثة وخلاصة محتوى، يمكن للمستخدم تنفيذ كل هذه المهام داخل واجهة واحدة تجمع البحث والتصفح والمساعدة الذكية واكتشاف المحتوى.

    الفكرة الأساسية في جميع هذه النماذج واحدة: إبقاء المستخدم داخل المنتج أثناء انتقاله من النية إلى الفعل.

    عندما يكون الذكاء الاصطناعي مدمجاً في الأدوات التي يستخدمها الناس عشرات المرات يومياً، يبدأ النظام في جمع إشارات واقعية من الاستخدام الفعلي، ما يؤدي إلى تحسين كل تفاعل لاحق.

    من يملك الاتصال بالخدمات يفوز

    هذه الديناميكية الجديدة تعيد تشكيل المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي. فالأداء التقني للنماذج لم يعد العامل الوحيد المهم. الأهم أصبح هو من يملك التكاملات المحلية والاتصال المباشر بالخدمات الواقعية.

    الشركات التي تستطيع ربط الذكاء الاصطناعي بعمليات الدفع والنقل والتجارة والخدمات اليومية تملك ميزة يصعب تقليدها.

    وتشير تقديرات “بيزنس إنسايدر” Business Insiderإلى أن سوق تطبيقات الذكاء الاصطناعي الشاملة عالمياً قد ينمو من نحو 155 مليار دولار في عام 2026 إلى نحو 838 مليار دولار بحلول عام 2033.

    .

    وإذا تحققت هذه التوقعات، فإن الحصة الأكبر من هذه السوق قد تذهب إلى مشغلي المنصات الذين يديرون التجارب اليومية للمستخدمين، وليس بالضرورة إلى الشركات التي طورت النماذج الأصلية.

    كيف تبني منتجاً لا يغادره المستخدم

    بالنسبة للشركات التي تبني منتجات تعتمد على الذكاء الاصطناعي اليوم، فإن السؤال لم يعد: أي واجهة برمجة تطبيقات تحقق أفضل نتيجة في الاختبارات؟

    السؤال الأهم أصبح: أين يضطر المستخدم إلى مغادرة المنتج لإكمال المهمة؟

    الخطوة الأولى هي إجراء مراجعة شاملة لتجربة الاستخدام، وتحديد كل اللحظات التي يخرج فيها المستخدم من المنتج لإنهاء ما بدأه، سواء عبر نسخ النتائج إلى تطبيق آخر، أو الانتقال إلى منصة مختلفة لإتمام الدفع أو الحجز.

    هذه النقاط ليست مجرد إزعاجات في تجربة المستخدم؛ بل تمثل في الواقع منافسين حقيقيين للمنتج.

    بعد ذلك، يجب ترتيب هذه النقاط حسب تكرارها وتأثيرها على فقدان المستخدمين، ثم العمل على سد الفجوات واحدة تلو الأخرى عبر التكاملات التقنية التي تبقي سير العمل داخل المنتج.

    أفضل هذه التكاملات هي تلك التي لا يلاحظها المستخدم أساساً، لأن الذكاء الاصطناعي يتولى إدارة التعقيد في الخلفية.

    قوة البيانات المتراكمة

    كل تفاعل يحدث داخل المنتج يضيف طبقة جديدة من البيانات والسياق. ومع الوقت يتراكم داخل النظام سجل غني من التفضيلات والسلوكيات والأنماط.

    هذا التراكم يشكل ما يسمى بـ الخندق التنافسي الحقيقي للمنتج. فالمنافس قد يستطيع تقليد التكنولوجيا، لكنه لن يستطيع بسهولة استنساخ تاريخ الاستخدام الذي تراكم لدى المستخدمين.

    وعندما يعود المستخدم إلى المنتج مرات عديدة يومياً، تصبح هذه العلاقة المتكررة أصعب بكثير في التقليد من مجرد إطلاق نموذج أكثر ذكاءً.

    المستقبل لمن يقلل أسباب المغادرة

    لا شك أن الأبحاث المتقدمة في الذكاء الاصطناعي ستظل مهمة، خاصة في حدود الابتكار العلمي. لكن في الأسواق التجارية، تنتشر القدرات التقنية بسرعة بين المنافسين.

    لذلك قد لا يُحسم السباق القادم في صناعة الذكاء الاصطناعي عبر النموذج الأكثر ذكاءً، بل عبر المنتج الذي يمنح المستخدم أقل عدد ممكن من الأسباب لمغادرته.

    في النهاية، المنتج الذي يعود إليه المستخدم عشرات المرات يومياً يملك ميزة يصعب نسخها — حتى لو ظهر نموذج أكثر ذكاءً في مكان آخر.

    المصدر: “انتربرونور”

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img