spot_img

    ذات صلة

    ‏حين توقفت السندات عن حماية محافظ الأسهم

    لطالما استندت البورصات العالمية إلى مُسلّماتٍ استثمارية؛ فكأنما هي قوانين طبيعية تقضي بأن يهرع المستثمرون إلى السندات لتكون درعهم الواقية متى تهاوت الأسهم، وأن...

    ‏عالم السيارات .. من صنع في اليابان إلى صنع في الصين

    لم يعد شعار “صنع في اليابان” هو الحصن المنيع الذي يحمي الشركات الرائدة في صناعة السيارات من زحف التغيير؛ فاليوم يواجه التنين الصيني العالم بقواعد لعبة جديدة تماماً.

    في ظل تحول دراماتيكي، تجد شركات عريقة مثل “تويوتا” نفسها مضطرة للتخلي عن قناعاتها الراسخة وإعادة صياغة استراتيجياتها، ليس من باب التجديد، بل هرباً من تهديد وجودي فرضته سرعة الابتكار الصيني وتنامي زخم علاماتها التجارية.

    تغير موازين القوى خلال 5 سنوات فقط

    بعدما كانت اليابان عام 2019 في الصدارة بلا منازع بصادرات بلغت 4.8 مليون سيارة، بينما كانت الصين لاعبًا هامشيًا لا يتجاوز حجم شحناته 700 ألف وحدة، إلا أنه بحلول 2024، تصدّرت الصين المشهد بـ 5.5 مليون وحدة، فيما تراجعت شحنات اليابان إلى 4.2 مليون.

    السلاح الصيني: السيارات الكهربائية

    السر الأكبر وراء هذا الصعود الصاروخي يكمن في رهان الصين المبكر على السيارات الكهربائية، التي شكّلت 40% من إجمالي صادراتها، وذلك بقيادة شركات على رأسها “بي واي دي” التي تجاوزت “تسلا” لتتربع على عرش أكبر مصنّع للمركبات الكهربائية في العالم.

    تغييرات جذرية

    تشهد صناعة السيارات تحولات سريعة، وبدون تغييرات جذرية قد تطيح الصين بالشركات الرائدة في الصناعة، إذ تكتسب الشركات الصينية زخمًا سريعًا وتضع معيارًا جديدًا لتكاليف التصنيع مع سرعة طرحها لطرازات جديدة بمزايا أحدث، كما أصبحت البرمجيات جزءًا أساسيًا من السيارات المتطورة، إلى جانب التأثير السلبي للتعريفات الجمركية الأمريكية.

    ضغوط مالية

    بدأت الشركات اليابانية في تقديم توقعات مالية قاتمة، حتى أن “ستاندرد أند بورز” حذرت من أن الجدارة الائتمانية للشركات المصنعة اليابانية قد تتعرض لضغوط، وذلك بعدما خفضت تصنيف “هوندا” في مارس، وعقب خفض “موديز” تصنيف “نيسان” إلى مستوى غير استثماري.

    الشركات اليابانية في أزمة

    برزت المخاطر التي تواجه الصناعة اليابانية خلال مارس، حين أعلنت “هوندا” تكبّدها أول خسارة سنوية لها منذ ما يقرب من 70 عامًا، وتحمل مديرها التنفيذي “توشيهيرو ميبي” المسؤولية شخصيًا وقرر التنازل طواعية عن 30% من راتبه لثلاثة أشهر، إلى جانب نائبه، وحذر بعدها من أن صناعة السيارات اليابانية على حافة الانهيار.

    نيسان في غرفة العمليات

    أما “نيسان”، فتدخل عامها الثاني من عملية إعادة هيكلة قاسية، مع خطة لإغلاق سبعة مصانع بحلول 2028، وجاءت الحرب الأمريكية ضد إيران لتزيد الأمور تعقيدًا، إذ تراجعت مبيعات الشركة في الشرق الأوسط، مع انخفاض الطلب ما اضطرها إلى تعديل إنتاج بعض موديلاتها.

    صراع من أجل البقاء

    حتى تويوتا، صانعة السيارات الأولى عالميًا من حيث المبيعات لم تعد بمنأى عن رياح التغيير العاتية، وخرج مديرها التنفيذي الجديد “كينا كون” ليقول صراحةً إنه لا يستطيع وصف وضع الشركة بأنه آمن أو مريح، وهو ما دفع قادة الصناعة إلى الدعوة إلى تعزيز التعاون بين الشركات اليابانية المصنعة للحفاظ على القدرة التنافسية الدولية.

    من الصرامة إلى المرونة

    من أغرب مفارقات الأزمة، أن المعايير الصارمة التي كانت تميز “تويوتا” باتت اليوم جزءًا من مشكلتها، فقد كانت الشركة ترفض بعض أجزاء السيارات لعيوب لا يكاد يراها أحد، ولا تؤثر على جودة السيارة النهائية المقدمة للعميل.

    نموذج للجودة

    على سبيل المثال، كانت صانعة “كامري” تُتلف 10 آلاف سلك توصيل شهريًا لمجرد اختلاف طفيف في لون البلاستيك الخارجي، حتى وإن كانت تلك الأسلاك تعمل بشكل مثالي، هذا الكمال المُكلف الذي لا يلمسه العميل بات يضع الموردين في موقف صعب ويرفع التكاليف دون مبرر فعلي.

    إعادة النظر في المعايير

    في استجابة جريئة لهذا التحدي، أطلقت تويوتا نظام “النشاط المعياري الذكي”، وهو تحوّل جذري في فلسفة الإنتاج يرتكز على التخلص من معايير الجودة المبالغ فيها، والهدف واضح: إنتاج أكثر كفاءة، وأسعار مكونات أقل، وتوفير سلسلة توريد مرنة قادرة على مجاراة السرعة الصينية في طرح الموديلات الجديدة.

    كانت عبارة “صنع في اليابان” تعني ضمنًا: هذا منتج يمكن الوثوق به، لكن الوضع تغير جذريًا، وبات شعار “صنع في الصين” يعني شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا كان يعنيه قبل سنوات قليلة، لكن الفارق لم يصنعه الحظ، بل صنعته قرارات جريئة، واستثمارات ضخمة، ويبقى السؤال الحالي: هل تملك الشركات اليابانية من المرونة والسرعة ما يكفي لاستعادة مكانتها؟

    المصادر: أرقام – فاينانشال تايمز – الإيكونومست – أوتوماتيف مانيوفكتشرنج سوليوشنز – ماكينزي – نيكي آسيا – أوتو كار – إنسايد إي فيز – أوتوموتيف نيوز – إس أند بي جلوبال – فورتشن

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img