spot_img

    ذات صلة

    ‏حين توقفت السندات عن حماية محافظ الأسهم

    لطالما استندت البورصات العالمية إلى مُسلّماتٍ استثمارية؛ فكأنما هي قوانين طبيعية تقضي بأن يهرع المستثمرون إلى السندات لتكون درعهم الواقية متى تهاوت الأسهم، وأن...

    ‏مدمنو الفقاعات

    في أواخر القرن التاسع عشر، ضجت شوارع الولايات المتحدة بظاهرة جديدة أثارت حلم الثراء في قلب كل أمريكي تقريبًا، إنها “البَكِت شوبس” أو “متاجر المضاربة” التي مكنت أبسط عامل من الرهان على الأسهم بسهولة وبمبالغ زهيدة.

    لكن بالنظر إلى أنه رهان غير مباشر لا يتم فيه تسليم الأسهم مباشرة عبر بورصة معتمدة، تحول الأمر إلى “مقامرة” و”بلا قواعد حقيقية”، ونظرًا لأنها اعتمدت بشكل أساسي على الرافعة المالية، فإن الخسارة عادة ما كانت فادحة.

    خلال هذه الظاهرة العجيبة التي تناولناها من قبل، تجاوزت جاذبية متاجر المضاربة سوق الأسهم المعتمدة لفترة من الوقت، لكن لم تكن نهايتها محمودة، وهو أمر متوقع بالنسبة لسوق لا تحظى بقدر كاف من التنظيم في الوقت الذي يتلاعب فيه المشغلون بأحلام البسطاء من مطاردي الثراء السريع.

    الآن وبعد أكثر من 100 عام من انفجار هذه الفقاعة وتلاشي آثارها، تعود “البكت شوبس” في حُلة جديدة مع وعد جديد بالثراء السريع، لكن هذه المرة بدلًا من الرهان على حركة السهم (دون امتلاكه) يراهن الأمريكيون على أي شيء وكل شيء من أحداث السوق والسياسة والرياضة والحرب وربما الطبيعة.

    هذه المرة ليست هناك حاجة إلى اسم غريب مثل “البكت شوبس” لدفع الشبهات بعيدًا، حيث لجأ المسوقون إلى اسم أكثر ابتكارًا، وهو “أسواق التنبؤات”، حيث يوحي المصطلح بأن المرء يتعامل مع “سوق” لها حدود وضوابط وهيكل وآلية عمل يمكنه فهمها والتخطيط من خلالها للاستثمار.

    وفي حين استغرق الأمر عقودًا عدة لتتفاقم ظاهرة “البكت شوبس” ثم تنهار، فإن ما يعرف بـ “أسواق التنبؤات” بدأت بالفعل تبعث برسائل خطر.. فهل يقع الأمريكيون في نفس الفخ الذي لطالما نصبوه لأنفسهم؟ أم ستكون هذه المرة مختلفة؟

    ما هي أسواق التنبؤات؟

    – في هذه الأسواق مثل “بولي ماركت” و”كالشي” (منصات يراهن فيها المستخدمون “أو المتداولون كما يصفون أنفسهم” على نتائج أحداث واقعية وخيالية)؛ مثل احتمالية اصطدام نيزك ضخم بالأرض قبل عام 2030، أو ما إذا كان الرئيس “دونالد ترامب” سيُعزل هذا العام، ومن يلعب دور “جيمس بوند” القادم.

    – مع تزايد الطلب على إمكانية المراهنة على أي شيء تقريبًا، تعالج أسواق التنبؤ مليارات الدولارات أسبوعيًا. وقد بدأ المستثمرون التقليديون يلاحظون ذلك، حيث انضمت العديد من الشركات المالية العملاقة إلى هذا المجال.

    – بطبيعة الحال لا تقدم هذه المنصات نفسها على أنها أداة للمراهنة، فمثلًا تقول “بولي ماركت” إنها تتيح للأفراد فرصًا للربح من أحداث المستقبل من خلال شراء وبيع “أسهم” في النتائج المتوقعة، حيث يساوي سعر السهم 10 سنتات إذا كان احتمال حدوث الأمر 10%، و20 سنتًا لـ 20%، و30 سنتًا لـ 30% وهكذا.

    – إذا كان المتداول يعتقد أن الاحتمالية الفعلية لوقوع حدث ما أعلى مما يشير إليه سعر السوق، يمكنه شراء السهم، وفي حال وقوعه، يصبح سعر كل سهم دولارًا واحدًا، محققًا بذلك ربحًا. وتكسب المنصة على أي حال من رسوم المعاملات.

    – للتأكيد على مبدأ السوق الحرة، تسمح هذه المنصات للمتداولين ببيع وشراء أسهم التنبؤات في أي وقت قبل انتهاء موعد الحدث، ويرى مطوروها أنها تشكل مصدرًا للتنبؤات غير المتحيزة لأنها تقوم على مبدأ “ادعم كلامك بمالك”.

    – علاوة على ذلك، تقول “بولي ماركت” التي تعد أكبر منصة في هذا المجال في العالم، إن أسواق التنبؤات غالبًا ما تكون أكثر دقة من استطلاعات الرأي التقليدية وتوقعات الخبراء، وأداةً ممتازةً لتقييم احتمالات وقوع الأحداث المستقبلية في الوقت الفعلي.

    ما حجمها؟

    – اتخذت هذه الأسواق أشكالًا مختلفة منذ أوائل القرن الماضي، لكنها انتعشت بشكلها الجديد مع جائحة “كوفيد 19″، بفضل الدعم الحكومي للمواطنين الأمريكيين، الأمر الذي ساهم في صعود التداول غير الاحترافي عبر المنصات الرقمية (حقبة ازدهرت فيها أسهم الميم والعملات المشفرة).

    – ساهمت انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024 في نمو هائل لأسواق التنبؤات حيث سجلت منصتا “بولي ماركت” و”كالشي”، الرائدتان في هذا المجال اليوم، مليارات الدولارات من التداولات الإضافية، وأظهرتا حظوظًا قوية لـ “ترامب” على الرغم من أن استطلاعات الرأي التقليدية أشارت إلى عكس ذلك.

    – بلغ حجم التداول السنوي في هذه الأسواق نحو 51 مليار دولار في عام 2025، لكنه شهد طفرة هذا العام، حيث سجلت منصتا “بولي ماركت” و”كالشي” 60 مليارًا منذ بداية 2026، وتشير توقعات “بيرنشتاين” إلى وصول السوق إلى تريليون دولار بحلول عام 2030.

    لماذا تشكل خطرًا؟

    – أدى تخفيف القيود التنظيمية في عهد إدارة “ترامب” إلى تعزيز هذا النمو وطمس الحدود بين التداول والمقامرة، وبعيدًا عن الصورة الوردية حول دورها في رصد الاتجاهات وتقديمها على أنها “سوق حرة”، أصبحت هذه المنصات وسيلة جديدة للمتداولين الهواة لتكبّد خسائر فادحة بسرعة.

    – إن ضعف الرقابة يجعل الأسواق عرضةً للتلاعب مما يقوض نزاهتها. وفي حين تُشرف لجنة تداول السلع الآجلة في الولايات المتحدة على هذه المنصات، وتُعاملها كبورصات للمشتقات المالية، فإن الأمر لا يزال ينقصه الكثير من التدقيق والتنظيم.

    – الفكرة هي أن العروض المتعلقة بالأحداث تُشبه المشتقات المالية التقليدية التي تُنظّمها لجنة تداول السلع الآجلة، والتي تُتيح المراهنة على الأسعار المستقبلية للسلع الأساسية كالنفط والقمح وحتى البيتكوين.

    – في مثل هذه الأسواق يمكن للمشاركين خسارة أموالهم بالكامل، أو الوقوع في دوامات إدمانية من التداول قد تُلحق الضرر بوضعهم المالي على المدى الطويل، كما أن بعض الرهانات أصبحت تشجع على سلوكيات غير لائقة، فمثلًا توقع شغب خلال حدث رياضي يؤدي بالفعل إلى وقوعه في النهاية.

    – الخطر الأكبر؛ أن هذه الأسواق بدأت تظهر مؤخرًا نمطًا متكررًا يشير إلى إجراء مراهنات على أحداث كبيرة بناءً على معلومات فائقة السرية، مثل العملية العسكرية في فنزويلا مطلع هذا العام، والحرب الأمريكية ضد إيران، وحتى التهدئة بين البلدين.

    – ينبع الخوف الآن من أن هذه المنصات باتت تعالج رؤوس أموال حقيقية وتُشكّل توقعات الجمهور؛ فإذا ما انهارت هذه الفقاعة، فستبدأ بسوق التنبؤات بشكل عام وقد تمتد الخسائر لاحقًا لتشمل أسواقًا أخرى مثل العملات المشفرة.

    – حذّرت “سيرتيك” المتخصصة في أمن “البلوك تشين”، من أن النمو السريع لأسواق التنبؤات تجاوز نضج بنيته الأمنية، وأدى إلى ظهور نقاط ضعف هيكلية تتفاقم آثارها مع توسع المنصات وجذب المزيد من المستخدمين.

    لماذا يدمن الأمريكيون الفقاعات؟

    – إن النمو المتسارع لهذه الأسواق على الرغم من التحذيرات بشأن سلامتها وبنيتها التحتية، ناهيك عن تاريخ طويل من فقاعات مرتبطة بالاستثمارات الوهمية، يثير الدهشة بشأن إقبال المستثمرين الأفراد (خاصة في أمريكا) على هذا النوع من التداول المزعوم.

    – غالبًا ما يُعجب الأمريكيون بفقاعات السوق لأنها تخلق ما يعرف بـ “تأثير الثراء”، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الأصول إلى زيادة صافي ثروة الأسر، مما يُحفز الإنفاق الاستهلاكي. وينجذبون إليها بدافع الخوف من تفويت الفرص، وسلوك القطيع، وسهولة الائتمان، والرغبة في الثراء السريع.

    – أي محاولة لتغيير الواقع قد يترتب عليها انهيار حاد في أعمال منصات التنبؤات، ورغم أن حجم أعمالها ليس ضخمًا ليثير ذعرًا على نطاق واسع، فإن الوعود بالثراء السريع قد تجعل منها “بكت شوبس” جديدة (التي تخطت في ذروتها تداولات سوق الأسهم الأمريكية نفسها).

    – كثيرًا ما تُصوَّر الفقاعات المالية على أنها حالات من اللاعقلانية الجماعية، لحظاتٌ يتجاوز فيها الجشع الحكمة. هذا الوصف ليس خاطئًا تمامًا، ولكنه غير مكتمل، فالفقاعة هي أيضًا قصة عن الازدهار والسياسات والمؤسسات والرغبات الإنسانية.

    – عندما يزداد ثراء مجتمع ما، ويصبح الحصول على المال أسهل، وعندما تبدو فرصة جديدة واعدة بمكاسب هائلة، تبدأ المضاربة في الظهور، وعادةً ما تبدأ الفقاعات في أغنى المراكز التجارية، لا في أفقر المناطق النائية.

    – فكر في أمستردام خلال القرن السابع عشر، ولندن في القرن التاسع عشر، ونيويورك في القرن العشرين، ووادي السيليكون في بداية القرن الحادي والعشرين، وأسوأق التنبؤات اليوم. تتغير الجغرافيا، لكن النمط يبقى واضحًا: مطاردة الوهم أسهل من مواجهة الواقع، رغم أن النهاية دائمًا ما تكون مؤلمة.

    المصادر: أرقام- بلومبرج- بولي ماركت- إي سي آي كيه إس- ياهو فايننس- سي إن بي سي- بزنس إنسايدر- رويترز- الرابطة الاقتصادية الأمريكية- أشبروك سنتر- ورقة بحثية بعنوان: Bubbles, Crashes, and Economic Growth: Theory and Evidence

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img