spot_img

    ذات صلة

    ‏البيت الأبيض يقترح خفض ميزانية ناسا بنسبة 23%

    اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" اليوم الجمعة ميزانية قدرها 18.8 مليار دولار لوكالة الفضاء "ناسا" للسنة المالية 2027، وهو ما يمثل انخفاضاً حاداً...

    ‏عالم بلا هرمز..استراتيجيات البقاء الاقتصادي للدول

    في قلب العواصم الكبرى، من “طوكيو” إلى “القاهرة”، أطفأت ناطحات السحاب أنوارها، وخلع المسؤولون في “تايلاند” ستراتهم الرسمية استبدالاً لها بقمصان خفيفة.

    لم يكن هذا مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع الذي فرضه إغلاق مضيق هرمز منذ 28 فبراير، إثر اندلاع الحرب في إيران.

    لم تكن مجرد طلقة رصاص في حرب إقليمية، بل كانت صدمة كهربائية أصابت مفاصل الاقتصاد العالمي، محولةً المكاتب المكيفة إلى غرف تعمل بنظام “العمل عن بُعد”، ومنيرةً الشوارع بضوء خافت يحكي قصة ارتباك القوى العظمى تحت وطأة الحاجة للوقود الأحفوري.

    كيف أثر إغلاق “مضيق هرمز” على استقرار الأسواق؟

    أدى توقف حركة الملاحة في المضيق إلى أكبر انقطاع في تاريخ أسواق النفط العالمية، مما تسبب في قفزات جنونية بأسعار الوقود والغذاء وسلاسل التوريد.

    تضاعفت فاتورة استيراد الوقود في دول مثل مصر لتصل إلى 2.5 مليار دولار في شهر مارس وحده، مما فرض ضغوطاً هائلة على الموازنات العامة واحتياطيات النقد الأجنبي.

    ما التحركات الطارئة التي قادتها المنظمات الدولية؟

    استدعى حجم الكارثة رداً عالمياً منسقاً لم تشهده الأسواق منذ أزمة السبعينيات، حيث انتقلت وكالة الطاقة الدولية من مرحلة المراقبة إلى التدخل المباشر في المعروض، خاصة مع وصول خام برنت إلى تخوم 120 دولاراً للبرميل في لحظات الصدمة الأولى.

    أجمعت الدول الأعضاء في الوكالة على سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية، كما تسببت الأزمة في تقليص توقعات نمو الطلب العالمي بمقدار 210 آلاف برميل يومياً لعام 2026.

    لماذا تحولت الحكومات إلى سياسات ترشيد الاستهلاك؟

    اعتمدت الحكومات تدابير طارئة شملت فرض قيود على تبريد المباني وتشجيع العمل عن بُعد لتقليل حرق الوقود في التنقل.

    ركزت الاستراتيجيات الدولية على حملات توعية وطنية لمطالبة المستهلكين طواعية أو إجبارياً بتقليص استهلاك الطاقة في الذروة، حيث انتقل التركيز من مجرد “تأمين المعروض” إلى “إدارة الطلب” بقوة القانون.

    ما دور الإجراءات السلوكية في خفض الاستهلاك؟

    فرضت دول مثل “كمبوديا” و”إندونيسيا” قيوداً صارمة على سفر المسؤولين الحكوميين وتقليص الرحلات الطويلة غير الملحة لتوفير الوقود.

    قيدت “نيبال” و”الفلبين” استخدام المركبات الحكومية، مع إعلان حالة طوارئ وطنية للطاقة لإجبار الوكالات العامة على خفض الاستهلاك.

    كيف تأثر قطاع التعليم بالأزمة؟

    اضطرت “باكستان” و”سريلانكا” لإغلاق المدارس والجامعات لمدد مؤقتة أو تقليص أيام الدراسة للحد من حركة النقل الكثيفة.

    قلصت “لاوس” أسبوع الدراسة من خمسة أيام إلى ثلاثة أيام فقط كإجراء تقشفي لمواجهة نقص إمدادات الوقود الحاد.

    كيف تعاملت الدول مع أزمة النقل؟

    طبقت “كوريا” نظاماً إلزامياً لتقنين قيادة السيارات بناءً على أرقام اللوحات (زوجي وفردي) للموظفين في القطاع الحكومي العام.

    لجأت “ليتوانيا” لخفض أسعار تذاكر القطارات المحلية بنسبة 50% لتحفيز المواطنين على ترك سياراتهم الخاصة واستخدام النقل الجماعي.

    كيف حاولت الحكومات تخفيف الأعباء عن المواطنين؟

    اعتمدت دول مثل “فرنسا” و”اليابان” تقديم دعم مالي مباشر أو سقف لأسعار الوقود لحماية القطاعات الحيوية مثل النقل والزراعة.

    توسعت “أيرلندا” و”نيوزيلندا” في تقديم بدلات طاقة ومنح للأسر الضعيفة والمتقاعدين لمواجهة فواتير التدفئة والوقود المرتفعة.

    ما دور السياسات الضريبية في احتواء الصدمة؟

    قامت “أستراليا” و”الهند” و”إيطاليا” بخفض ضرائب الاستهلاك على البنزين والديزل لتقليل السعر النهائي للمستهلك.

    خفضت “بولندا” و”إسبانيا” ضريبة القيمة المضافة على الوقود والطاقة لامتصاص جزء من التضخم الناجم عن صدمة العرض العالمية.

    لماذا تعد آسيا الأكثر تضررًا من الأزمة؟

    تعتمد دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية بشكل مفرط على واردات الطاقة من الخليج العربي، حيث يمثل النفط والغاز أكثر من 68% من مزيج الطاقة في تايلاند مثلاً.

    اضطرت شركات التكنولوجيا الكبرى في الهند مثل “كوجنيزانت” و”إتش سي إل تيك” للعمل عن بُعد واستخدام بدائل للطاقة، مع توجيه الموظفين لإحضار طعامهم الخاص نظرًا لتأثير أزمة الشرق الأوسط على المقاصف.

    كيف تعاملت دول جنوب شرق آسيا مع نقص الوقود؟

    فرضت “ميانمار” قيوداً صارمة على حركة السيارات الخاصة بناءً على أرقام اللوحات المعدنية (يُسمح للسيارات ذات اللوحات الزوجية بالقيادة في الأيام الزوجية فقط، والعكس) باستثناء المركبات الكهربائية لتشجيع برامج تحول الطاقة.

    أعلنت “سريلانكا” يوم الأربعاء عطلة رسمية للمؤسسات العامة، بينما اعتمدت باكستان والفلبين نظام العمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع.

    كيف واجهت دول أوقيانوسيا العزلة الجغرافية؟

    أقرت أستراليا خفضاً بنسبة 50% في ضريبة الإنتاج على الوقود لمدة ثلاثة أشهر لتخفيف عبء التضخم.

    ألزمت نيوزيلندا مستوردي الوقود بحد أدنى للمخزون النفطي يغطي 28 يوماً للبنزين و21 يوماً للديزل، كما أطلقت حزمة إغاثة تشمل مدفوعات نقدية أسبوعية لـ 150 ألف أسرة من الطبقة المتوسطة.

    ما الثمن الذي تدفعه أفريقيا مقابل اضطراب سلاسل إمداد الأسمدة والوقود؟

    أبقت كوت ديفوار على أسعار الوقود ثابتة عبر آلية تعويض حكومية تخفي التكاليف المالية الحقيقية، بينما يجد المواطن نفسه في نيجيريا، التي تعد أكبر منتج للنفط في القارة، في مفارقة غريبة حيث يدفع أسعاراً عالمية للوقود المكرر بسبب انهيار المنظومة المحلية.

    شجعت إثيوبيا العمل عن بعد والاجتماعات الافتراضية لتقليل الحاجة إلى استيراد البنزين المكلف، وخفضت جنوب أفريقيا ضريبة الوقود بمقدار 3 راند للتر الواحد بتكلفة شهرية تصل لـ 6 مليارات راند.

    نهاية المطاف

    يصنف “تقرير المخاطر العالمية 2026” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي “المواجهة الجيواقتصادية” كأكبر تهديد للاستقرار العالمي.

    ولا تعد الأزمة الحالية مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل هي جرس إنذار يكشف هشاشة الاقتصادات وعمق حاجتها للوقود الأحفوري، فقد رصدت منظمة “جرينبيس” 37 سياسة حكومية متضاربة، بعضها يعزز الوقود الأحفوري بدلاً من استغلال الأزمة للتحول الأخضر.

    وإن التدابير الاستثنائية التي اتخذتها الدول في القارات الست ليست مجرد مسكنات لآلام الأسعار، بل هي اللبنات الأولى في بناء جدران الحماية الوطنية ضد تقلبات الجغرافيا السياسية.

    وفي عالم تحولت فيه قطرة النفط إلى سلاح استراتيجي، لم تعد “المخزونات” ولا “الإعفاءات الضريبية” حلاً مستداماً لمنع ركود تضخمي قد يلوح في الأفق.

    فهل ينجح العالم في بناء درع حصينة تحمي استقراره الاقتصادي بعيداً عن التقلبات السياسية، أم سيبقى رهينة لصدمات لا يملك أحد مفاتيح إخمادها؟

    المصادر: أرقام – وكالة الطاقة الدولية – المنتدى الاقتصادي العالمي – رويترز- بي بي سي- ذا جاردين – جرينبيس – وزارة الأعمال والابتكار والتوظيف (نيوزيلندا) – بلاك ويل جلوبال

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img