في عالم الأعمال، تُبنى السمعة في سنوات وتتلاشى في ثوان معدودة، وقصة جوال “جلاكسي نوت 7” ليست مجرد خطأ تقني عابر من “سامسونج”، بل درس في إدارة الأزمات، وكيف يمكن لفخ السرعة أن يضيع سنوات من الابتكار.
كان الجهاز يمتلك كل مقومات النجاح، من حيث حجم الشاشة والتقنيات، إلى جانب توقيت طرحه الذي كان من المفترض أن يكون الضربة القاضية للمنافسين “آبل” و”جوجل” – خاصة جوالات “بيكسل” التي تعمل بالنظام التشغيلي نفسه – لكن خلف كل هذا البريق، كانت هناك ضغوط هائلة وجداول زمنية دفعت الشركة الكورية الجنوبية إلى لتسرع في طرحه ليسبق “آيفون 7”.

بداية واعدة تخفي أزمة كامنة
في أغسطس 2016، أطلق “جلاكسي نوت 7” بحملة إعلانية ضخمة روجت له كجهاز متطور بشاشة كبيرة، لكن سرعان ما ظهر أول تقرير إخباري عن انفجار جوال وتبعته صور لأجهزة أخرى مشتعلة، وهو ما دفع مسؤولي الشركة إلى التفكير في كيفية الاستجابة، حينها شكك البعض في خطورة تلك الحوادث، بينما رأي آخرون ضرورة اتخاذ إجراء حاسم.
استجابة سريعة لكن غير مكتملة
بعد شكاوى من ارتفاع درجة حرارته وانفجار البطارية قررت “سامسونج” في الثاني من سبتمبر سحب 2.5 مليون وحدة من الجوال وعرضت على العملاء استرداد أموالهم أو استبدال الجوال، وأكدت حينها أن جميع الأجهزة المستبدلة آمنة، لكن ظهرت تقارير تفيد بأن هذه الجوالات كانت تعاني أيضًا من ارتفاع درجة الحرارة.
رسائل متناقضة
ورغم أن الاستجابة تعد سريعة نسبيًا إلا أنها كانت لها عواقب وخيمة بسبب التصريحات التي أصدرتها الشركة، فمثلاً أصدرت بيانًا طمأنت فيه عملاءها في هونج كونج بأن جوالاتهم تستخدم بطاريات مختلفة عن تلك التي تم الإبلاغ عنها، وبالتالي لن يتأثروا بالأمر، لكنها اضطرت في اليوم التالي اضطرت إلى سحب البيان بعدما تبين تضرر 500 جوال هناك بالفعل.
ارتباك إداري
بعد مرور أسبوعين تقريبًا من بدء توزيع ملايين الأجهزة الجديدة المزودة ببطاريات من مورد آخر، وعقب سلسلة من الحوادث الجديدة، اضطرت الشركة إلى الإقرار ضمنيًا بأن تشخيصها الأول كان خاطئًا، وقد أدى هذا الارتباك والتضارب في التصريحات إلى شعور العملاء والجهات الرقابية بالإحباط.

تحذيرات رسمية
حذرت سلطات الطيران الأمريكية والعديد من الشركات المسافرين من تشغيل الجوال أو توصيله بمنافذ “يو إس بي” على متن الطائرات للشحن، وطلبت لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية من المستخدمين التوقف عن استخدامه، وفي الخامس عشر من سبتمبر أصدرت اللجنة قرارًا رسميًا بسحبه.
بداية الانسحاب
في أوائل أكتوبر، وردت تقارير عن ارتفاع درجة حرارة الجوال المستبدل على متن رحلة جوية أمريكية، وبدأت تظهر بعدها المزيد من التقارير، وقررت شركات الاتصالات الأمريكية الكبرى وقف بيع الجهاز أو استبداله، وهو ما دفع “سامسونج” إلى ااتخاذ قرار حاسم بدلاً من المغامرة بسمعتها وتاريخها.
إنقاذ سمعتها
اضطرت الشركة التكنولوجية إلى التضحية بـ “نوت 7” لإنقاذ مصيرها وسمعتها، لأن علامتها التجارية بالطبع أكبر من منتج واحد، فهي تقدم منتجات وبرامج وخدمات في قطاعات متعددة، وقررت الشركة خطوة جذرية بإيقاف إنتاج الجوال نهائيًا، مما ساهم في تسجيل خسارة فصلية بقيمة 2.3 مليار دولار لأن رغم أن الجوال حظي بدعاية واسعة النطاق.
سامسونج الضحية
كانت “سامسونج” نفسها الضحية الأكبر لإطلاق “نوت 7″، لأن سوء إدارتها للأزمة أدى إلى إلحاق ضرر بالغ بسمعتها، وفقدان 20 مليار دولار تقريبًا من قيمتها السوقية.

سبب المشكلة
كشف تحقيق أجرته الشركة أن ارتفاع درجة حرارة الجوال واحتراقه كانا بسبب عيوب في البطارية وأن الخلل لم يكن في البرمجيات أو المكونات، وأفادت أن أخطاء في التصميم والتصنيع أثرت على بطاريات موردة لها من شركتين مختلفتين (“سامسونج إس دي آي” و”أمبيركس تكنولوجي” الصينية).
تحمل المسؤولية
تركزت المشاكل في عدم كفاية مادة العزل داخل البطاريات وفي التصميم الذي لم يوفر مساحة كافية لاستيعاب أقطاب البطارية بشكل آمن، وأعلنت الشركة تحملها مسؤولية إخفاقها في تحديد المشكلات الناجمة عن تصميم البطارية وعملية تصنيعها والتحقق منها بشكل كامل، وأكدت أنها لا تنوي اتخاذ أي إجراءات قانونية، وأنها تتحمل مسؤولية إلزام الموردين بالامتثال لمواصفات محددة.
الخطأ الأبرز
يكمن الخطأ في تركيز “سامسونج” المفرط على التفوق على المنافسين، لكن السرعة كان لها ثمن، وبما أن موعد إطلاق “آيفون 7” كان في سبتمبر، وضعت الشركة تحديًا يتمثل في موعد مستحيل ما دفع مهندسيها للعمل ليلاً ونهارًا للوفاء به، وربما أثر على مرحلة الاختبار الضرورية للغاية، بينما جاء جوال “آبل” – رغم عدم اختلافه كثيرًا عن الموديل السابق له – بشكل آمن وكان يعمل بكفاءة.
استفادت “سامسونج” من الأزمة التي ألحقت بها ضررًا عالميًا، وأصبحت درسًا قاسيًا لها بأن إدارة الأزمات تتطلب توازنًا دقيقًا بين السرعة والدقة، وأصبح “نوت 7” – الذي لم يدم طويلاً – مجرد خطأ في تاريخها واعتبر منتجًا واحدًا فاشلاً قصير الأجل تم سحبه سريعًا لتتجاوزه الشركة وتواصل مسيرتها الناجحة.
المصادر: أرقام – جلوبال نتورك أوف أدفانسد مانجمنت – وول ستريت جورنال – هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” – التايمز – فوربس



