“المخاطرة تأتي من عدم معرفة ما تفعله”.. مقولة شهيرة للمستثمر “وارن بافيت”، تضع الحد الفاصل بين النجاح والفشل في الأسواق المالية.
فهناك العديد من العوامل التي يجب على المستثمر مراعاتها عند ضخ استثماراته في سوق الأسهم، من كيفية اختيار السهم، لحالة السوق لدى اختياره، وأخيرًا وليس آخرًا تحديد الحجم المناسب لاستثماراته، أولًا من إجمالي رأسماله أو أصوله، وثانيًا تحديد نسبة كل سهم من محفظته.

خطأ واحد يكفي
وتشير الدراسات إلى أن الخطأ في تقدير حجم المركز الاستثماري (نسبة الاستثمار في الأسهم بشكل عام وفي كل منها بشكل منفصل) يكون المسؤول الأول عن خروج نحو 75% من المتداولين الأفراد خلال حركات التصحيح الحادة.
وهنا يجب التأكيد أن تحديد حجم الاستثمار ليس مجرد عملية حسابية، بل هو انعكاس لثلاثة عناصر: القدرة المالية، والحالة الذهنية للمستثمر، وظروف السوق الكلية.
فالمحفظة التي تفتقر إلى التوازن تتعرض لما يسمى “مخاطرة التركيز”، حيث يمكن لهبوط سهم واحد بنسبة كبيرة، ولتكن 30%، أن يمحو أرباح عشرة أسهم أخرى إذا كان حجم الاستثمار في السهم الخاسر يفوق وزن المحفظة الإجمالي.
ومن أهم ما يجب على المستثمر تقديره لدى تقدير حجم استثماراته أيضًا هو النسبة التي يتركها كسيولة مالية لديه، سواء في حالة انتعاش السوق أو انكماشه.
وبحسب بيانات “معهد الاستثمار العالمي” (Global Investment Institute)، فإن المستثمرين الذين احتفظوا بنسبة سيولة نقدية (كاش) لا تقل عن 15% من إجمالي محفظتهم، استطاعوا اقتناص فرص ذهبية أثناء تراجعات السوق المؤقتة، محققين عائدًا إضافيًا بلغ 12% مقارنة بأولئك الذين كانوا مستثمرين أموالهم بالكامل.
أما عن “تشكيل المحفظة” من الداخل، فإن التنوع يبقى رئيسيًا لتجنب أي تحولات في السوق خارجة عن سيطرة المستثمر أو تقلبات مفاجئة في أحد القطاعات.
الفرق بين مستثمر وآخر
وهنا يجب ملاحظة أن غالبية المدارس المتحفظة في الاستثمار تشدد على ألا تزيد نسبة أي سهم على 5% من رأس المال الذي تحدده (تصل إلى 10% في حالة بعض الاستثمارات الدفاعية الموثوقة).

وهذا “القيد” ليس عشوائيًا، بل هو نتاج دراسات حول “متوسط التراجع”. فإذا استثمر شخص مثلًا في شركة “أدوبي”، فإنه قد يجد نفسه في مواجهة ضغوط شديدة في نهاية عام 2025، حيث تراجع السهم نتيجة منافسة أدوات الذكاء الاصطناعي، مما أدى لخسارة بنسبة 15% في أسبوع واحد.
وبشكل عام، فقد السهم قرابة 40% من قيمته في الفترة بين نهاية مارس 2025 ونهاية مارس 2026، بما يؤكد أن منحنى النزول مستمر، ويمكن هنا المقارنة بين مستثمرين بناءً على حجم الاستثمار.
المستثمر “أ”: خصص 40% من محفظته لأدوبي؛ النتيجة: خسارة إجمالية للمحفظة بنسبة 6% في أسبوع أو 16% في عام، مما أدى لتوتر اتخاذ القرار والبيع عند القاع.
المستثمر “ب”: التزم بقاعدة الـ 5%؛ النتيجة: تأثير التراجع على المحفظة كان 0.75% فقط في أسبوع أو 2% في عام، مما سمح له إما بالانتظار حتى ارتداد السهم إن رأى أنه في سبيله للارتداد، أو تقليص الخسارة بالتخلص من مركز مالي في سبيله للمزيد من التدهور دون تكبد خسائر كبيرة.
والمؤكد هنا أن الفرق ليس في “جودة السهم”، بل في “حجم الاستثمار”، الذي وفر للمستثمر الثاني حماية نفسية قبل المالية، بما يمكنه من اتخاذ قرار أفضل دون التعرض لضغوط الخسائر الكبيرة (أو إغراء المكسب الكبير في حالات أخرى).
وهنا يلجأ بعض المضاربين لتحديد ما يعرف بـ”المبلغ المعرض للخطر”، إذ يتبنى كبار مديري صناديق التحوط قاعدة صارمة: “لا تخاطر بأكثر من 1% إلى 2% من رأس مالك الإجمالي في صفقة واحدة”.
وهذا لا يعني أنك تشتري بـ2% فقط من أموالك، بل يعني أن الفرق بين “سعر الدخول” و”أمر وقف الخسارة”، مضروبًا في عدد الأسهم، يجب ألا يتجاوز هذه النسبة.
فمثلًا، إذا كان المستثمر يمتلك أسهمًا في “إنفيديا” الذي يتسم بتذبذب عالٍ، فإذا كانت المحفظة بقيمة 100 ألف دولار، فإن أقصى خسارة مسموح بها في هذا السهم يجب ألا تتجاوز ألفي دولار، لحماية المحفظة من التلاشي في حال حدوث تصحيح تقني مفاجئ.
متى نزيد الحجم ومتى نقلصه؟
مع التقلبات التي شهدها سوق الأسهم مؤخرًا، وأبرزها في السوق الأمريكي، حيث كان مؤشر “إس آند بي 500” يحوم قرب قمة قياسية عند مستوى 7000 نقطة قبل أن يتراجع إلى دون 6400 نقطة في الفترة بين نهاية فبراير ومارس الماضيين، ليفقد المؤشر قرابة 8.5% من قيمته في شهر واحد.

وهنا يتبع المستثمرون استراتيجية تعرف باسم “تقليص الحجم مع الارتفاع”، فمع وصول تقييمات قطاع تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات تذكرنا بفقاعة “الدوت كوم”، لم ينتظر المحترفون وقوع الكارثة، بل بدأوا في تنفيذ ما يُعرف بـ”تسييل الزخم”.
تعتمد هذه المنهجية على بيع أجزاء من المركز الاستثماري (مثلًا 20% أو 25%) كلما حقق السهم قمة سعرية جديدة، وهو ما يضمن استعادة رأس المال الأصلي وترك الأرباح وحدها لتواجه تقلبات السوق المستقبلية.
وهنا يبرز اسم المستثمر ستانلي دراكنميلر (ويتمتع بثروة شخصية تقدر بـ8 مليارات دولار ويدير استثمارات بعشرات المليارات) كأحد أشهر من طبقوا هذه الاستراتيجية تاريخيًا وفي الموجات الأخيرة لعام 2025.
دراكنميلر لا ينتظر هبوط السعر لبيع مركزه، بل يقلص أحجامه عندما يشعر أن “التوقعات” باتت تفوق “الواقع التشغيلي”.
وفي قطاع الرقائق والبرمجيات المتقدمة، قام دراكنميلر بتقليص حصصه الكبيرة في شركات مثل “إنفيديا” و”أبلايد ماتيريالز” خلال فترات الصعود الصاروخي، معتبرًا أن تضخم الحجم في مركز واحد يمثل خطرًا هيكليًا على كامل المحفظة، مهما بلغت قوة الشركة.
ويتبع كثير من الشركات وصناديق التحوط هذا المبدأ أيضًا، فمثلًا صندوق “سيتاديل” بقيادة “كين غريفين” لاحظ تضخم قيم شركات مثل “بالانتير” أو “سبيس إكس” في محفظته، فقام ببيع جزء من حيازاته لخفض الوزن النسبي للسهم ضمن رأسمال الصندوق ككل.
وهذا التقليص لا يعبر عن فقدان الثقة في الشركة، بل هو التزام بقواعد “حجم المركز” التي تفرض عدم المراهنة بأكثر مما يجب في قطاع واحد قد يتعرض لتصحيح فجائي، وهو ما حماهم فعليًا عندما بدأت السيولة في الانسحاب من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية في نهاية 2025.
نموذج سلبي
وفي المقابل، يبرز نموذج “كاثي وود” والصندوق الذي تديره “أرك إنفستمنت” كنموذج مقابل لـ”التطرف” في توجيه الاستثمارات وحجمها.

فبينما حقق صندوقها الرئيسي عوائد خيالية تجاوزت 150% في عام 2020، إلا أن الانجراف وراء زيادة حجم المراكز في شركات تفتقر للتدفقات النقدية الواسعة أدى لتراجعات حادة.
وبحلول عام 2024 وأوائل 2025، بلغت نسبة الانخفاض من القمة التاريخية للصندوق نحو 70%، مما يثبت أن الحجم الاستثماري الضخم في أسهم متقلبة يعمل كمضاعف للخسائر بنفس قدر مضاعفته للأرباح في دورات الصعود.
كما تتجلى معضلة “قيد السيولة” في إدارة “وود” من خلال تركز استثمارات الصندوق في شركات متوسطة القيمة، حيث امتلك “أرك” في فترات معينة أكثر من 10% إلى 15% من إجمالي الأسهم المتاحة لشركات مثل “تيلادوك” (Teladoc).
وهذه النسبة الكبيرة والتركيز المفرط جعلا من الصعب تقليص الحجم دون إحداث انهيار سعري ذاتي، لذا فعندما قررت “كاثي” البيع، تآكلت القيمة السوقية للمحفظة بمليارات الدولارات.
وبشكل عام، فإن مستوى تذبذب الأسهم في محفظة “كاثي” أعلى مرتين ونصف المرة من مؤشر “ستاندرد آند بورز”، نتيجة الإصرار على استثمارات كبيرة الحجم في قطاعات مثل “البيولوجيا التركيبية” وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الناشئة.
واستمرار الصندوق في الاحتفاظ بمراكز “وزن ثقيل” رغم تغير دورة الفائدة العالمية، جعل المحفظة عرضة لتقلبات سنوية حادة تتراوح بين صعود بـ30% وهبوط بـ40%.
واتباع استراتيجية تقليص الحجم مع الارتفاع هو اعتراف صريح بأن السوق أكبر من توقعات أي فرد، والمستثمر الذي يقلص مركزه في سهم رابح بنسبة 10% كلما صعد السعر بـ20%، هو في الواقع يحمي نفسه من “العدوى النفسية” التي تصيب الكثيرين عند القمم.

فالحجم المناسب ليس رقمًا ثابتًا، بل هو كمية متناقصة مع زيادة المخاطر السعرية، ومتزايدة مع توفر القيمة الحقيقية.
وكما أثبتت تجارب كبار المستثمرين في نهاية عام 2025، فإن من يخرج “مبكرًا بقليل” وبأرباح محققة، أفضل بكثير ممن يخرج “متأخرًا جدًا” بمركز استثماري متضخم لا يجد من يشتريه.
ولذلك يُنسب إلى “بول تودور جونز”، أحد عمالقة صناديق التحوط، قوله: “أنا لست مستثمرًا، أنا مدير مخاطر”، وهي العبارة التي تلخص الفجوة الكبيرة بين الهواة والمحترفين في أسواق المال.
فبينما ينهمك المضاربون في البحث عن “السهم السحري” الذي سيحقق ثروة طائلة، يدرك المستثمرون أن النجاح المستدام لا يُبنى على التنبؤ بالأسعار، بل على هندسة “حجم المركز” التي تحمي رأس المال من الانهيارات العشوائية.
المصادر: أرقام- مورنينج ستار- بلومبرج تريرمينال- ياهو فاينانس- فاينانشيال تايمز- سي.إن.بي.سي.



