spot_img

    ذات صلة

    ‏الرفاهية الذكية .. لماذا يشتري الأثرياء يختين؟

    في عالم الأثرياء حيث تُقاس الرفاهية بالتفاصيل الدقيقة لا بالحجم فقط، لم يعد امتلاك يخت فاخر كافيًا. الاتجاه الجديد الذي يفرض نفسه بهدوء لكنه...

    ‏العناقيد الصناعية في الصين .. محرك النمو والتحول الأخضر

    في عالمٍ يواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على النمو الاقتصادي من جهة، وخفض الانبعاثات الكربونية من جهة أخرى، تبدو التجربة الصينية في العناقيد الصناعية مثالًا لافتًا يجذب اهتمام الحكومات والخبراء حول العالم.

    بدلاً من التعامل مع الصناعة والطاقة والبيئة كملفات منفصلة، اختارت الصين نموذجًا يقوم على تركيز النشاط الصناعي في مناطق مترابطة تُدار بطريقة منسقة، بما يسمح بتحقيق الكفاءة الاقتصادية وتعزيز الابتكار وتقليل الأثر البيئي في الوقت نفسه.

    هذا النموذج، الذي يجمع بين التخطيط الصناعي والبنية التحتية المشتركة وسياسات الطاقة النظيفة، أصبح محور اهتمام دول عديدة تسعى إلى إعادة تشكيل صناعاتها في عصر التحول الطاقي.

    العناقيد الصناعية

    كما بدأ المنتدى الاقتصادي العالمي يسلط الضوء عليه من خلال مبادرة “العناقيد الصناعية الانتقالية” التي تهدف إلى دعم تبادل الخبرات بين التجمعات الصناعية حول العالم وربط التجارب الصينية بنظيراتها الدولية.

    تشكل العناقيد الصناعية في الصين العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فهي تجمع بين المصانع وسلاسل الإمداد ومرافق الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية في نطاق جغرافي واحد، ما يخلق بيئة اقتصادية عالية الكفاءة.

    وتستحوذ هذه العناقيد على نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي وفرص العمل والانبعاثات في الصين. ويرجع ذلك إلى أن العديد منها يركز على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصلب والبتروكيماويات والمعادن ومواد البناء.

    ورغم أن هذا التركيز يجعلها مصدرًا رئيسيًا للانبعاثات الكربونية، فإنه يمنحها في الوقت نفسه ميزة فريدة: إذ يمكن من خلالها تنفيذ تحولات واسعة النطاق في أنظمة الطاقة والإنتاج بطريقة أكثر تنسيقًا وفاعلية مقارنة بالمصانع المنفردة.

    إزالة الكربون

    وبالنسبة للدول التي تحاول إزالة الكربون من صناعاتها دون التضحية بالنمو الاقتصادي، توفر العناقيد الصناعية نقطة انطلاق عملية. فوجود عدد كبير من الشركات في موقع واحد يسمح بتنسيق شبكات الطاقة ومشاركة البيانات والاستثمارات، ما يفتح الباب أمام تحولات هيكلية تشمل الإنتاجية والمرونة الاقتصادية والتنافسية طويلة الأجل.

    تحديات مشتركة

    على الرغم من مزاياها، تواجه العناقيد الصناعية في مختلف دول العالم تحديات كبيرة خلال مرحلة التحول الطاقي. فهذه المناطق تتميز بطلب مرتفع ومركز على الطاقة، ما يجعلها من أكبر مصادر الانبعاثات.

    كما أن البنية التحتية الصناعية فيها تعتمد غالبًا على استثمارات ضخمة طويلة الأجل مثل الأفران الصناعية والمصانع الثقيلة ومحطات الطاقة. وهذه الأصول الرأسمالية تستمر لعقود، ما يؤدي إلى تثبيت مسارات إنتاج كثيفة الكربون لفترات طويلة.

    في الوقت ذاته، يؤدي اشتراك العديد من الشركات في البنية التحتية الأساسية – مثل شبكات الطاقة والمياه واللوجستيات – إلى تعقيد عملية التنسيق بين مختلف الأطراف، سواء فيما يتعلق بالاستثمارات أو تبادل البيانات أو إدارة الطاقة.

    هذه العوامل مجتمعة قد تخلق أحيانًا اختلالات على مستوى النظام الصناعي ككل، وهو ما يفسر تزايد الاهتمام الدولي بالنهج الصيني في إدارة العناقيد الصناعية وتحويلها تدريجيًا نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة.

    لماذا نجحت العناقيد الصناعية في الصين؟

    تُعد الصين أكبر اقتصاد صناعي في العالم وأكبر مستهلك للطاقة. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 80% من الشركات الصناعية الصينية تعمل داخل عناقيد أو مناطق تطوير صناعي، وهي مسؤولة عن أكثر من نصف الإنتاج الصناعي في البلاد.

    هذا التركيز يجعل هذه العناقيد مصدرًا مهمًا للانبعاثات، لكنه يمنح الحكومة أيضًا أداة قوية لتوجيه التحول الصناعي والبيئي. ولذلك وضعت الصين العناقيد الصناعية في قلب استراتيجيتها للتحول الأخضر، واعتبرتها بمثابة مختبرات تجريبية لتطبيق الحلول المتكاملة.

    وفي هذه المناطق يجري اختبار مجموعة واسعة من السياسات والتقنيات، بدءًا من تسريع نشر الطاقة النظيفة وتطوير التكنولوجيا الصناعية، وصولًا إلى تصميم آليات السوق والسياسات التنظيمية التي تدعم التحول منخفض الكربون.

    تسريع كهربة الصناعة والطاقة النظيفة

    أحد أبرز الاتجاهات في العناقيد الصناعية الصينية هو التوسع السريع في كهربة العمليات الصناعية. فقد بدأت الكهرباء تلعب دورًا متزايدًا في قطاعات مثل الصلب والبتروكيماويات والمعادن غير الحديدية ومواد البناء.

    وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن حصة الكهرباء في الاستهلاك النهائي للطاقة في القطاع الصناعي الصيني ارتفعت من 25.5% عام 2013 إلى 35.3% عام 2023، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي الذي يبلغ نحو 30%.

    على مستوى العناقيد الصناعية، يجري تحديث بعض وحدات الطاقة العاملة بالفحم أو استبدالها بأنظمة تعمل بالغاز أو الكهرباء. كما يتم نشر مصادر الطاقة المتجددة الموزعة على أسطح المباني والواجهات والمساحات المتاحة داخل المناطق الصناعية.

    وتُستكمل هذه الجهود بأنظمة متكاملة تجمع بين مصادر الطاقة والشبكات والأحمال وأنظمة التخزين، إضافة إلى شراء الكهرباء الخضراء مباشرة من السوق واستخدام الشبكات الذكية الصغيرة لإدارة الطاقة بكفاءة.

    وفي بعض العناقيد الصناعية، يجري اختبار نماذج تعتمد على نسب مرتفعة جدًا من الطاقة النظيفة، عبر الجمع بين الإنتاج المحلي للطاقة المتجددة وأنظمة التخزين وشراء الكهرباء الخضراء من الأسواق. وتوفر هذه التجارب دروسًا عملية حول كيفية تلبية متطلبات الموثوقية في الطاقة مع خفض كثافة الانبعاثات الكربونية.

    سياسات توجه الاستثمار نحو التحول الأخضر

    تلعب السياسات الحكومية دورًا مهمًا في توجيه التحول الصناعي داخل العناقيد. وبدل فرض تقنيات محددة، تعتمد الصين على إشارات سياسية وتنظيمية تدفع الاستثمارات نحو الأنشطة الأكثر تقدمًا والأقل انبعاثًا للكربون.

    ومن أبرز هذه الأدوات ما يعرف بـ دليل توجيه تعديل الهيكل الصناعي، وهو نظام يصنف الأنشطة الصناعية إلى ثلاث فئات هي: القطاعات المشجعة، والقطاعات المقيدة، والقطاعات التي يجري التخلص منها تدريجيًا.

    ويؤثر هذا التصنيف في تخطيط العناقيد الصناعية والموافقة على المشاريع الصناعية الجديدة وإمكانية حصول الشركات على التمويل. كما يعكس توجهًا استراتيجيًا يهدف إلى توجيه الموارد الاقتصادية نحو التنمية عالية الجودة والحد من الأنشطة ذات الاستهلاك المرتفع للطاقة والانبعاثات.

    وتقوم الحكومات المحلية بتطبيق هذه المبادئ وفقًا للموارد والخصائص الصناعية لكل منطقة، ما يسمح بتجارب متنوعة بدلاً من اتباع نموذج موحد على مستوى البلاد.

    دور متزايد لآليات السوق

    إلى جانب السياسات الحكومية، تلعب آليات السوق دورًا متزايدًا في توجيه القرارات داخل العناقيد الصناعية. ويُعد سوق تداول الانبعاثات الكربونية في الصين أحد أبرز هذه الأدوات.

    بدأ هذا السوق بتغطية قطاع الكهرباء، ثم توسع لاحقًا ليشمل صناعات مثل الصلب والإسمنت والألومنيوم، ما يتيح خفض الانبعاثات في المواقع التي تكون فيها تكلفة التخفيض أقل.

    واليوم يغطي نظام تداول الانبعاثات أكثر من 60% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الصين، ما يجعله أحد أكبر أسواق الكربون في العالم.

    كما تشهد أسواق الكهرباء الخضراء توسعًا سريعًا. ففي بعض مناطق جنوب الصين، تجاوز حجم تداول الكهرباء الخضراء وشهاداتها 450 مليار كيلوواط ساعة سنويًا، ويعد قطاعا الألومنيوم والصلب والصناعات الكيميائية وتصنيع الإلكترونيات ومراكز البيانات من أكبر المستهلكين.

    وتسهم هذه الآليات في دمج الاعتبارات البيئية في القرارات الاقتصادية للشركات، بحيث لا تكون مجرد التزام تنظيمي بل عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية التجارية.

    الابتكار والتقنيات الرقمية

    تستثمر الصين بكثافة في الابتكار الأخضر والتكنولوجيات منخفضة الكربون. ففي عام 2024 بلغ عدد طلبات براءات الاختراع في مجال التقنيات الخضراء نحو 120 ألف طلب بزيادة تقارب 19% عن العام السابق، وهو ما يمثل ما يقرب من نصف النمو العالمي في هذا المجال.

    كما تجاوز عدد براءات الاختراع الخضراء السارية في البلاد 280 ألف براءة بحلول نهاية عام 2024، ما يعكس زخمًا كبيرًا في تطوير التكنولوجيا البيئية.

    وبالتوازي مع ذلك، يجري تنفيذ برامج واسعة لتحديث المعدات الصناعية، تشمل الأفران الكهربائية والمراجل الصناعية والمحركات عالية الكفاءة والمضخات والضواغط والمحولات.

    وفي عام 2024 وحده تم تحديث أكثر من 20 مليون قطعة من المعدات الصناعية، ما ساهم في توفير طاقة تعادل نحو 25 مليون طن من الفحم القياسي.

    كما تلعب المنصات الرقمية دورًا متزايدًا في إدارة الطاقة والانبعاثات داخل العناقيد الصناعية. إذ تسمح تحليلات البيانات الضخمة بمراقبة الانبعاثات بشكل أكثر دقة، بينما توفر أنظمة إدارة الطاقة الذكية مراقبة آنية وتحسينًا مستمرًا لاستخدام الطاقة عبر البنية التحتية الصناعية المشتركة.

    دروس للعالم من التجربة الصينية

    توضح تجربة الصين أن التحول الصناعي على نطاق واسع لا يعتمد فقط على التقنيات الفردية، بل على تنسيق شامل بين الشركات والبنية التحتية والسياسات الحكومية.

    فداخل العناقيد الصناعية يمكن للشركات مشاركة أنظمة الطاقة والمنصات الرقمية والحلول الدائرية، ما يخفض التكاليف والمخاطر ويعزز القدرة على تحقيق أهداف إزالة الكربون دون الإضرار بالتنافسية الاقتصادية أو فرص العمل.

    كما يلعب التنسيق بين مستويات الحوكمة المختلفة دورًا حاسمًا. فوضوح التوجهات الوطنية وتكاملها مع سياسات الحكومات المحلية واستراتيجيات الشركات يقلل حالة عدم اليقين ويساعد على تسريع تبني الحلول الجديدة على نطاق واسع.

    وفي هذا السياق، يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي، من خلال مبادرة العناقيد الصناعية الانتقالية، على دعم المزيد من العناقيد حول العالم للانضمام إلى شبكات تبادل المعرفة الدولية وربط التجارب الصينية بنظيراتها العالمية.

    ورغم أن التجربة الصينية تنبع من سياق اقتصادي وسياسي خاص، فإن الدروس المستفادة منها – خاصة فيما يتعلق بالتنسيق بين الصناعة والطاقة والسياسات العامة – تقدم نقاطاً مرجعية مهمة للدول التي تسعى إلى تحقيق تحول صناعي منخفض الكربون دون التضحية بالنمو الاقتصادي والتنمية الإقليمية.

    المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”

    المصدر: صحيفة أرقام

    spot_img